حكم مَن فاته رمي الجمرات في بعض أيام الرمي

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 30 يونيو 2025
  • رقم الفتوى: 24013

السؤال

ما الحكم لو نسي الحاج رمي الجمار في بعض أيام الرمي أو لم يتمكن منه؟ هل يجوز له أن يتداركه في يوم آخر؟

يبدأ وقت رمي الجمار للحاج من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية.

أمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.

المحتويات

 

حكم رمي الجمار في الحج ووقته

رمْيُ الجمار واجبٌ من واجبات الحج، و"الْأُمَّة أَجْمَعَتْ عَلَى وُجُوبِهِ"، وأيام الرمي أربعة هي: يوم النحر -العاشر من ذي الحجة- حيث تُرمَى جمرة العقبة بسبعِ حصيات، وأيام التشريق: هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، فهي: يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة. حيث تُرمى الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات، وذلك في كل يوم من أيام التشريق.

حكم ترك رمي الجمار في الحج

تركُ الرمي بالكُلِّية بدون عذر حتى يخرج وقته يُوجِب على صاحبه فدية، ويخرج وقت الرمي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 255، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية): [أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق، فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل] اهـ.

ودليل ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّه قال: «مَن نَسِيَ مِنْ نُسُكِه شيئًا أو تَرَكَه فلْيُهْرِقْ دمًا» أخرجه موقوفًا الإمام مالك في "الموطأ"، والبيهقي في "السنن" و"معرفة الآثار" واللفظ له.

حكم من فاته رمي الجمرات في بعض أيام الرمي

أمَّا مَن فاته رمي يومِ النحر أو رمي أحدِ أيام التشريق الأولى، فللفقهاء تفصيل في ذلك، فذهب الحنفية أنَّه يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخَّر رميه ويقع أداء، ولا فدية عليه حينئذٍ؛ لأنَّ الليلة تابعة لليوم قبلها، وإن أخَّر الرمي إلى ما بعد طلوع الفجر فهو قضاء وتلزمه الفدية عند الإمام أبي حنيفة، خلافًا للصاحبين أبي يوسف ومحمد اللذين ذهبا إلى عدم لزوم الفدية.

قال العلامة الميداني الحنفي في "اللباب في شرح الكتاب" (1/ 210، ط. المكتبة العلمية): [(ومن ترك رمي الجمار في الأيام كلها فعليه دم) واحد؛ لأن الجنس متحد، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي، وهو اليوم الرابع، وما دامت باقية فالإعادة ممكنة فيرميها على الترتيب، ثم بالتأخير يجب الدم عند الإمام، خلافًا لهما] اهـ.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 521- 522، ط. دار الفكر): [لو أخر الرمي في غير اليوم الرابع يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخر رميه وكان أداء؛ لأنها تابعة له، وكره لتركه السنة، وإن أخره إلى اليوم الثاني كان قضاء ولزمه الجزاء، وكذا لو أخر الكل إلى الرابع ما لم تغرب شمسه، فلو غربت سقط الرمي ولزمه دم، وقد ظهر بما قررناه أن ما ذكره الشارح تبعًا للبحر، وغيره من أن انتهاءه إلى طلوع الشمس ليس بيانًا لوقت الأداء فقط، بل يشمل وقت القضاء لأن ما بعد فجر الرابع وقت لرمي الرابع أداء، ولرمي غيره من الأيام الثلاثة قضاء فافهم] اهـ.

وذهب المالكية إلى أنَّه إذا خرج النهار رمى الحاج ليلًا أو بعده، ويقع قضاء؛ لخروج وقت الأداء وهو النهار، وتلزمه الفدية.

قال العلامة الدردير المالكي في "الشرح الصغير" (2/ 63، ط. دار المعارف): [(أو) تأخير (رمي حصاة فأكثر) من الجمار (الليل) لخروج وقت الأداء وهو النهار الواجب فيه الرمي، ودخول وقت القضاء وهو الليل، فأولى إذا أخر ليوم بعده وعليه دم واحد في تأخير حصاة فأكثر. (وفات) الرمي لجمرة العقبة أو غيرها من جمار الثاني والثالث والرابع، (بالغروب من) اليوم (الرابع، فقضاء كل) تفريع على ما قبله؛ أي فعلم من قوله: "أو رمي حصاة" إلخ. أن قضاء كل من العقبة وغيرها إن أخره لعذر أو غيره ينتهي (إليه) أي إلى غروب الرابع. (والليل) عقب كل يوم (قضاء) لما فاته بالنهار يجب به الدم] اهـ.

بينما ذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة إلى أنه يجوز له أن يرمي فيما بقي من أيام التشريق الأُولَى، ويكون أداء لا قضاء ولا فدية عليه، ومُدرَكهم في ذلك أن أيام منى كلها وقت جواز للرمي، كاليوم الواحد، وكل يوم لرميه إنما هو وقت اختيار، فمن رمى عن يوم منها في يوم لاحق آخر منها أجزأه ولا شيء عليه، وكذلك يجوز جمع الرميات كلها لليوم الأخير، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك وبين رمي يوم التدارك؛ فيرمي أولًا ما فاته ثم يرمي ليومه.

قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 90، ط. دار الفكر): [وإذا ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام على الأظهر، ولا دم، وإلا فعليه دم] اهـ.

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي في "تحفة المحتاج" (4/ 138، ط. دار إحياء التراث العربي): [[(وإذا) (ترك رمي)، أو بعض رمي (يوم) للنحر، أو ما بعده عمدًا، أو غيره (تداركه في باقي الأيام) ويكون أداء (في الأظهر)؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جَوَّز ذلك للرعاء، فلو لم تصح بقية الأيام للرمي لتساوى فيها المعذور وغيره كوقوف عرفة ومبيت مزدلفة، وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم جَوَّز التدارك للمعذور فلزم تجويزه لغيره أيضًا] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 279، ط. دار الكتب العلمية): [إذا قلنا بالتَّدَارُك فتَدَارَك، فالأظهر أنه أداء] اهـ.

وقال الإمام أبو السعادات البُهُوتِي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 590، ط. عالم الكتب): [(وإن أخَّر رمي يومٍ، ولو) كان المؤخَّر رميُه (يوم النحر إلى غداةٍ أو أكثر) أجزأ أداءً (أو) أخَّر رمي (الكلِّ إلى آخِر أيام التشريق) ورماها بعد الزوال (أجزأ) رميُه (أداءً)؛ لأنَّ أيام التشريق كلَّها وقتٌ للرمي، فإذا أخَّره عن أول وقتِه إلى آخِره أجزأه، كتأخير وقوفٍ بعرفة إلى آخِر وقتِه، (ويجب ترتيبه) أي الرمي (بالنية) كمجموعتين وفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلا بدأ بجمرة العقبة فنوى رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق ثم يعود فيبدأ من الأولى حتى يأتي الأخيرة ناويًا عن الثاني، وهكذا عن الثالث] اهـ.

وقال الإمام المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 46، ط. دار إحياء التراث العربي): [(وإن أخَّر الرمي كله، أي: مع رمي يوم النحر ورماه في آخر أيام التشريق: أجزأ) بلا نزاع، ويكون أداءً على الصحيح من المذهب] اهـ.

والدليل على ذلك ما ورد عن عاصم بن عدي العجلاني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا» رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي.

وفي لفظٍ آخر عند أبي داود: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ».

ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص لرعاء الإبل تأخير رمي الجمار مع تدارك الرمي فيما بقي من أيام التشريق، كما أفاده الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (4/ 354، ط. دار الكتب العلمية).

وفي ذلك دليل أيضًا على أن أيام التشريق كاليوم الواحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخص للرعاء في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول.

والحاصل: أنه لا خلاف في أنَّ الحاج إذا رمى الجمرات في يوم الرمي قبل غروب الشمس فإن رميه يقع صحيحًا أداء، كما أنه إذا غربت شمس اليوم الثالث من أيام التشريق ولم يكن قد رمى الجمرات، فقد خرج وقت الرمي ووجبت عليه الفدية، وإنما الخلاف فيمن أخر رمي يوم حتى غربت شمسه؛ فالحنفية على جواز الرمي ليلًا إلى الفجر ويقع أداء، ولا فدية، وإن رمى بعد الفجر لزمته الفدية عند الإمام أبي حنيفة خلافًا للصاحبين أبي يوسف ومحمد، والمالكية عندهم إذا خرج النهار يرمي ليلًا قضاءً، وتلزمه الفدية، وأمَّا الشافعية في الأظهر والحنابلة فالرمي عندهم ممتد طوال أيام التشريق، ويقع أداء ولا تلزم الفدية.

المختار للفتوي في حكم من فاته رمي الجمرات في بعض أيام الرمي

المختار للفتوى هو ما ذهب إليه الشافعية في الأظهر والحنابلة من أن أيام التشريق كلها وقت للرمي، فمن فاته الرمي في يوم رماه بعده من أيام التشريق دون ترتب فدية على ذلك، ورميه أداء، وذلك تيسيرًا على الحجاج ورفعًا للحرج عنهم، والأصل في ذلك قولُ الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقولُ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقولُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» أخرجه الإمامان: أحمد في "المسند"، والطبراني في "المعجم الكبير".

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي السؤال: فإنَّ رمي الجمار للحاج يبدأ وقته من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية، أمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة