ما حكم صوم الحاجّ يوم عرفة؟ فهناك شاب يُؤدِّي مناسك الحجِّ، ويرغب في صوم يوم عرفة (التاسع من ذي الحجَّة) طلبًا للأجر والثَّواب الوارد في فضل صوم هذا اليوم، إلا أنَّه استشكل الأمر؛ لِتَلَبُّسِه بِالنُّسُك (الحجِّ)، ويسأل عن الحكم الشَّرعيِّ لصيامه في يوم عرفة، وهل الأفضل في حقِّه الصَّوم أو الفطر؟
المستحب والأفضل في حقِّ الحاجِّ الفطر في يوم عرفة وعدم الصوم؛ اقتداءً بفعل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقد أفطر صلَّى الله عليه وسلَّم وهو واقف بعرفة في حَجَّة الوداع؛ وتقوّيًا على أعمال يوم عرفة من ذكر ودعاء وتضرُّع؛ وَتَجَنُّبًا للمَشَقَّة الَّتي قد تُعِيقُه عن تَمَام المَنْسَك، ومع ذلك فلا يُنكر على من صام إذا وجد في نفسه قوَّة، فالأمر فيه سَعَة، ولا يُنكر المختلف فيه، وإنَّما يُنكر المتَّفق عليه.
المحتويات
يوم عَرَفَة من آكد الأيَّام فضلًا، وأعظمها قدرًا، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجَّة، يقف الحجيج فيه بـ"عرفات"، وهو موضع شريف يقع بمكة، وهو أعظم أركان الحجِّ، والمقصود بيوم الحجِّ الأكبر عند بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3].
قال العلَّامة الطَّبَرِي في "تفسيره" (14/ 114، ط. دار التربية والتراث): [عن عطاء قال: الحجُّ الأكبر يوم عرفة] اهـ.
وقد رتَّب الشَّرع الشَّريف على صيام هذا اليوم لغير الحاجِّ ثوابًا جزيلًا؛ لكونه مَظِنَّة لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات، فورد في الآثار النبويَّة الصَّحيحة أنَّ صومه يُكفِّر سنتين، سنة ماضية وسنة مستقبلة؛ لما رواه مسلم، وأبو داود، من حديث أبي قَتَادَة رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
قال العلَّامة النَّوويُّ الشَّافعيُّ في "شرحه على صحيح مسلم" (8/ 51، ط. دار إحياء التراث العربي): [معناه: يكفِّر ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصَّغائر. وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك: أنَّه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجات] اهـ.
وقال العلَّامة الطِّيبِي في "شرح المشكاة" (5/ 1608، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [قيل في تكفير ذنوب السَّنة التي بعدها: هو أنَّه تعالى يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرَّحمة والثَّواب ما يكون كفَّارة السَّنة الثَّانية إن اتفق فيها ذَنب] اهـ.
أمَّا صيام يوم عرفة للحاجِّ، فاختَلف في حكمه الفقهاء، ويرجع سبب اختلافهم إلى المفاضلة بين اغتنام الجمع بين ما وَرد في فضل صيامه وفضل أداء المنسك، وبين اتِّباع ما ورد في النَّهي عن صيامه، وما ورد من فِطر النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في يومه، والتَّقوِّي بالفطر على أعماله من دعاء وذكر وتضرُّع، فذهب الحنفيَّة إلى القول باستحباب صيام يوم عرفة في حقِّ الحاجِّ؛ لِمَا ثبت في فضل صوم هذا اليوم، إلا أنَّهم قيدوا هذا الاستحباب بشرط القدرة وعدم المشقَّة؛ فجعلوا مَناط الحكم هو عدم إضعاف الصَّوم للحاجِّ عن أداء الرُّكن الأعظم، وهو الوقوف بعرفة، أو الإخلال بالاشتغال بالدُّعاء والذِّكر، فإن أدَّى الصَّوم إلى الضَّعف أو التَّقصير في العبادة انقلب الحكم إلى الكراهة، وصار الصوم مكروهًا، ووافقهم الشَّافعيَّة في سُنِّيَّة صومه لحاجٍّ لم يَصل إلى عَرفة إلا لَيلًا، بشرط كونه مُقيمًا صحيحًا، لا مسافرًا أو مريضًا؛ لانتفاء عِلَّة الضَّعف عن الوقوف نهارًا، والحنابلة أيضًا وافقوهم في استحباب صيامه للمتمتِّع أو القارن إذا عُدما الهدي؛ ليجعلا يوم عرفة ختام الأيَّام الثَّلاثة المأمور بصيامها في الحجِّ.
قال العلَّامة الحَصْكَفِيُّ الحنفيُّ في "الدُّر المختار ومعه حاشية ابن عابدين" (2/ 375، ط. دار الفكر): [والمندوب كأيام البِيض من كل شهر، ويوم الجمعة ولو منفردًا، وعَرفة ولو لحاجٍّ لم يضعفه] اهـ.
وعلق العلَّامة ابن عابدين مُحشِّيًا على قوله: (لم يضعفه)، فقال: [أي: إن كان لا يضعفه عن الوقوف بعرفات ولا يخل بالدعوات. "محيط"، فلو أضعفه كره] اهـ.
وقال العلَّامة الخَطيب الشِّربينيُّ الشَّافعيُّ في "مغني المحتاج" (2/ 183، ط. دار الكتب العلمية): [يُسَن صومه لحاجٍّ لم يصل عَرفة إلا ليلًا؛ لفقد العلة، هذا كله في غير المسافر والمريض] اهـ.
وقال العلَّامة البُهوتيُّ الحنبليُّ في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 494، ط. دار إحياء التراث العربيِّ): [(إلا لمتمتِّع وقَارن عُدما الهديَ) فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحجِّ يوم عرفة] اهـ.
وهذا المَسلك في الاستحباب له أصل عند ثُلَّة من فقهاء الصَّحابة والتابعين كابن الزُّبير، وعثمان بن أبي العاص، الصَّحابيِّ الجليل، والسَّيِّدة عائشة أُمِّ المؤمنين رضي الله عنهم، وإسحاق بن راهويه، ونُقِل استحبابُه عن التابعي عطاء في الشِّتاءِ دون الصَّيف.
قال الإمام النَّوويُّ الشَّافعيُّ في "المجموع شرح المهذب" (6/ 380، ط. دار الفكر): [حكى ابن المنذر: عن ابن الزُّبير وعثمان بن أبي العاص الصَّحابيِّ وعائشة وإسحاق بن راهويه استحباب الصوم، واستحبه عطاء في الشِّتاء والفطر في الصَّيف] اهـ.
واستدل هؤلاء بعموم استحباب الصَّوم، وبخصوص الفضل الوارد في صوم يوم عرفة عن أبي قَتَادَة رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه مسلم، وأبو داود.
وذهب جمهور الفقهاء من المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة إلى عدم استحباب صوم يوم عرفة للحاجِّ، على خلاف بينهم، هل صومه مكروه أم خلاف الأَوْلى؟ فالمستحب عندهم في حق الحاجِّ والأفضل الفطر لا الصَّوم.
قال العلَّامة الحَطَّاب الرُّعيني المالكيُّ في "مواهب الجليل" (2/ 401، ط. دار الفكر): [ص: (وصوم عرفة إن لم يحجّ) ش: يعني: أنَّه يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَوْمُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، رواه مسلم، وأبو داود. وأمَّا إن حجَّ، فيكره له صومه] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهَيتميُّ الشَّافعيُّ في حكم صوم يوم عرفة للحاجِّ في "تحفة المحتاج" (3/ 455، ط. المكتبة التجاريَّة الكبرى): [أمَّا الحاجُّ، فيسن له فطره وإن لم يضعفه الصَّوم عن الدُّعاء؛ تأسيًا به صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّه وقف مفطرًا، وتقويًا على الدعاء، فصومه خلاف الأَوْلى، وقيل: مكروه. وجرى عليه في نكت التنبيه وهو متجه لصحة النَّهيِ عنه] اهـ.
وقال العلَّامة ابن مُفلح الحنبليُّ في "الفروع" (5/ 88، ط. مؤسسة الرسالة): [ولا يستحب للحاجِّ بعرفة صوم يوم عرفة، وفطره أفضل، وكرهه جماعة] اهـ.
وعُمدةُ الجمهور في ذلك؛ الاتِّباع، وورود النَّهيِ عن صومه، والتقوِّي، فأمَّا الاتِّبَاع؛ فَتَأَسِّيًا بِوُقُوف النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُفْطِرًا يَوْم عَرَفَة؛ كما ثبتَ في "الصحيحينِ" من حديثِ أُمِّ الفَضل بنت الحارث رضي الله عنها: «أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ».
وأمَّا النَّهيُ؛ فلما روى أبو داود، والبيهقيُّ، عن عِكرِمَة، قال: «كنَّا عندَ أبي هريرة رضي الله عنه في بيته، فحدَّثنا: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم نهى عن صومِ يومِ عرفَةَ بَعَرَفَة».
وأمَّا التقوِّي؛ فلِما في الفطر من إعانة للحاجِّ على التفرُّغ للذِّكر والتضرُّع بنشاط وقوة، واستدلوا أيضًا بأنَّ الأصل في هذا الموطن هو التفرُّغ للنُّسك لا التَّطوع بالصِّيام؛ ولأنَّ الحاجَّ في حكم المسافر، ولأنَّ يوم عرفة يُعد يوم عيد لأهل الموقف.
قال الأمير الصنعانيُّ في "التنوير شرح الجامع الصغير" (10/ 585، ط. مكتبة دار السلام): [(نهى عن صوم يوم عرفة) تاسع ذي الحجة (بعرفة) وندب بغيرها؛ وذلك لأنَّه يضعف به عن القيام بالمناسك والدُّعاء، ولأنَّ يوم عَرفة من أعياد أهل الإِسلام] اهـ.
بناء على ما سبق وفي واقعة السُّؤال: فالمستحب في حقِّ الحاجِّ والأفضل الفطر في يوم عرفة وعدم الصوم؛ اقتداءً بفعل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فقد أفطر صلَّى الله عليه وسلَّم وهو واقف بعرفة في حَجَّة الوداع؛ وتقويًا على أعمال يوم عرفة من ذكر ودعاء وتضرُّع؛ وَتَجَنُّبًا للمَشَقَّة الَّتي قد تُعِيقُه عن تَمَام المَنْسَك، ومع ذلك فلا يُنكر على من صام إذا وجد في نفسه قوَّة، فالأمر فيه سَعَة، ولا يُنكر المختلف فيه، وإنَّما يُنكر المتَّفق عليه.
والله سبحانه وتعالى أعلم.