سائل يقول: سمعتُ بعضَ أصدقائي يذكر أن يوم عرفة من أفضل أيام السنة، وأن في ذلك أدلةً من القرآن والسنة، فما مدى صحة هذا القول؟ وما فضل يوم عرفة في الشريعة الإسلامية؟ وما الأعمال المستحبة فيه لغير الحاج؟
إن فضل يوم عرفة ثابتٌ بالقرآن والسنة، فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت فيه النعمة، وهو اليوم المشهود، ويوم الحج الأكبر عند فريق من العلماء، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم وهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم.
ويستحب صيامه لغير الحاج، فإن صيامه يكفر ذنوب سنتين، ويندب فيه الإكثار من الأعمال الصالحة من ذكر الله تعالى، والدعاء، وطلب المغفرة، والصدقة، وصلة الأرحام، وقراءة القرآن، وكثرة الصلاة على الحبيب العدنان، وحفظ السمع والبصر عما يغضب الرحمن، كما يستحب الخلوة للذكر من بعد صلاة العصر لغروب الشمس من ذلك اليوم بغية استقبال الرحمات والبركات والفيوضات الإلهية التي تتنزل في هذا اليوم.
المحتويات
فضَّلَ اللهُ سبحانه وتعالى بعضَ الأزمنةِ على بعضٍ، وخصّها بمزيد فضلٍ وتشريفٍ؛ لتكونَ مواسمَ للخيراتِ، ومظانَّ لاستجابةِ الدعوات، ومضاعفةِ الحسنات، والجدِّ في الطاعات، وكثرةِ فعل الخيرات، واجتناب السيئات، ومن ذلك يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة. وقد تحدَّث القرآنُ الكريمُ عن يومِ عرفة حديث تعظيمٍ وتشريفٍ، فبيَّن ما له من جليل القدرِ وعظيم المنزلة، وأشار إلى ما اختصه الله به من فضائلَ ومعانٍ سامية، تبيّن مكانته في الشريعة الإسلامية، فكان من حديث القرآن عن يوم عرفة أنه:
1- اليوم الذي كمُل فيه الدين وتمت فيه النعمة؛ وذلك بنزول قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
روى البخاري ومسلم عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رضي الله عنه: «أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالُوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ».
2- اليومُ المشهود، قال تعالى ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 2-3].
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» رواه الترمذي وأحمد.
3- يوم الحج الأكبر عند فريق من العلماء، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3].
قال العلامة الطبري في "تفسيره" (14/ 114، ط. دار التربية والتراث): [عن عطاء قال: الحج الأكبر، يوم عرفة] اهـ.
وقال العلامة أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (3/ 104، ط. دار الكتب العلمية): [واختلف في يوم الحج الأكبر، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار أنه يوم عرفة، وعن علي وعمر وابن عباس وعطاء ومجاهد نحو ذلك] اهـ.
4- يوم أقسم الله به؛ فعن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: عَشْرُ الْأُضْحِيَّةِ، ﴿وَالْوَتْرِ﴾: يَوْمُ عَرَفَةَ، ﴿وَالشَّفْعِ﴾: يَوْمُ النَّحْرِ» رواه النسائي وأحمد.
كما تولَّتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ المشرفةُ بيان فضلِ يومِ عرفةَ بأبلغِ بيان، فكشفت عن عظيمِ منزلته وسموِّ رتبته، وأظهرت ما خصَّه اللهُ به من فيوضِ الرحمةِ وسوابغِ المغفرة، حتى غدا ميدانًا تتكاثف فيه أسبابُ العتق وتتعاظم فيه مواطنُ الإجابة، وتُضاعف فيه الأجورُ على وجهٍ لا يُدانيه غيرُه من الأيام، فاستقرَّ في وجدان المؤمنين موسمًا أعظمَ للتقرُّب، ومجلىً أسمى لطلبِ الرضا ونيلِ الفضل الإلهي، فكان من حديث السنة المشرفة عن يوم عرفة أنه:
1- يوم العتق والرحمة؛ فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ» رواه مسلم.
2- يوم المباهاة؛ فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ «كَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» رواه أحمد والطبراني.
3- يوم الحسرة لإبليس وجنوده؛ فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» رواه مالك، والبيهقي في "فضائل الأوقات".
4- أنه يوم الغفران؛ فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا، ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ: "قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ". قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: "فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» رواه ابن حبان وابن خزيمة. قوله (ضاحين) أي: بارزين للشمس غير مستترين منها.
ولقد رغَّب الشرعُ الشريفُ في التعرّض لنفحاتِ الله تعالى وفيوضاته الربانية، وذلك بالتشمير والجدِّ في الطاعات، وكثرة فعل الخيرات، رجاءَ الإصابة من تلكم النفحات؛ فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا» رواه الطبراني، وله شاهد آخر عند الدولابي في "الكنى والأسماء"، من رواية ابن عمر رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ العزيزي في "السراج المنير" (2/ 11، ط. المطبعة الخيرية).
ويوم عرفة من الأوقات الفاضلة التي رغّبَ الشرع الشريف في اغتنامها، ودلَّت الأحاديثُ على أعمالٍ بخصوصها لغير الحاج في هذا اليوم الأغر، منها:
1- الصيام لغير الحاج؛ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه الإمام مسلم.
قال العلامة النووي في "شرحه على مسلم" (8/ 51، ط. دار إحياء التراث العربي): [معناه يكفر ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات] اهـ.
وقال العلامة الطيبي في "شرح المشكاة" (5/ 1608، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [قيل في تكفير ذنوب السنة التي بعدها: هو أنه تعالى يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرحمة والثواب ما يكون كفارة السنة الثانية إن اتفق فيها ذنب] اهـ.
وعلى استحباب صومِ يومِ عرفةَ لغير الحاجِّ تطابقت أقوال الفقهاء.
قال العلامة الكساني في "بدائع الصنائع" (2/ 79، ط. دار الكتب العلمية): [وأما صوم يوم عرفة: ففي حق غير الحاج مستحب، لكثرة الأحاديث الواردة بالندب إلى صومه، ولأن له فضيلة على غيره من الأيام] اهـ.
وقال العلامة الحطاب في "مواهب الجليل" (2/ 401، ط. دار الفكر): [(وصوم عرفة إن لم يحج) ش: يعني أنه يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» رواه مسلم، وأبو داود] اهـ.
وقال العلامة الرَّمليُّ في "نهاية المحتاج" (3/ 206، ط. دار الفكر) عند الحديث عن صوم التطوع: [(و) صوم يوم (عرفة) وهو تاسع الحجة؛ لخبر مسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»، والمراد بالسنة التي قبل يوم عرفة: السنة التي تتم بفراغ شهره، وبالسنة التي بعده السنة أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور، إذ الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع] اهـ.
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 493- 494، ط. عالم الكتب) في باب صيام التطوع: [(و) يسن صوم (عشر ذي الحجة) أي: التسعة الأول منه؛ لحديث: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر» (وآكده يوم عرفة، وهو) أي: صومه (كفارة سنتين)؛ لحديث مسلم عن أبي قتادة مرفوعا في صومه: «إني لأحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده] اهـ.
2- الدعاء والذكر طوال يوم عرفة؛ تعرضًا لنفحات الله الطيبات في هذا اليوم المبارك فخير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ فعَنْ عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» رواه الترمذي، ومالك في "الموطأ".
قال المُلا عليٌّ القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 1802، ط. دار الفكر): [خير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ لأنه أجزل إثابة، وأعجل إجابة] أهـ.
وكأن دأب سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم الإكثار من الدعاء ليلة عرفة ويومه، ومن الأدعية الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في هذا اليوم الأغر ما رواه الترمذي وابن خزيمة عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «أَكْثَرُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي الْمَوْقِفِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وَإِلَيْكَ مَآبِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْر ، وَشَتَاتِ الْأَمْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ».
3- حفظ السمع والبصر؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفضل يوم عرفة: «يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ» رواه أحمد وابن خزيمة.
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِصَالِحِكُمْ، وَشَفَّعَ صَالِحُكُمْ فِي طَالِحِكُمْ، تَنْزِلُ الْمَغْفِرَةُ فَتَعُمُّهُمْ، ثُمَّ تُفَرَّقُ الْمَغْفِرَةُ فِي الْأَرَضِينَ فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ تَائِبٍ مِمَّنْ حَفِظَ لِسَانَهُ وَيَدَهُ» رواه عبد الرازق في "مصنفه".
4- الخلوة للذكر من بعد صلاة العصر إلى الغروب، فقد روي عن بعض التابعين والسلف أنه كان يختلي بنفسه من بعد عصر يوم عرفة إلى غروب الشمس، ويُرغِّب أصحابه في ذلك؛ اغتنامًا لهذه الأوقات الشريفة، وتعرضًا لنفحات الله فيها، ومن هؤلاء التابعين، التابعي الجليل سعيد بن المُسَيَّب، والتابعي الثقة العابد عَطَاء الخُرسَاني.
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ «أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَقْصُورَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ الشَّامَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
وعن عمر بن الوَردِ قال: قال لي عطاء الخراساني: «إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل» رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء".
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن فضل يوم عرفة ثابتٌ بالقرآن والسنة، فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت فيه النعمة، وهو اليوم المشهود، ويوم الحج الأكبر عند فريق من العلماء، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى به في القرآن الكريم وهو سبحانه لا يقسم إلا بعظيم، ويستحب صيامه لغير الحاج، فإن صيامه يكفر ذنوب سنتين، ويندب فيه الإكثار من الأعمال الصالحة من ذكر الله تعالى، والدعاء، وطلب المغفرة، والصدقة، وصلة الأرحام، وقراءة القرآن، وكثرة الصلاة على الحبيب العدنان، وحفظ السمع والبصر عما يغضب الرحمن، كما يستحب الخلوة للذكر من بعد صلاة العصر لغروب الشمس من ذلك اليوم بغية استقبال الرحمات والبركات والفيوضات الإلهية التي تتنزل في هذا اليوم.
والله سبحانه وتعالى أعلم.