تقديم طواف الإفاضة أو السعي للمضطر

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 29 أبريل 2026
  • رقم الفتوى: 23977

السؤال

سائل يقول: ما حكم تقديم طواف الإفاضة والسعي في الحج على رمي جمرة العقبة؟

الجواب

الطواف بالكعبة على ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وطواف الإفاضة هو الركن من هذه الثلاثة، فلا يَصِحُّ الحجُّ إلا به، قال تعالى: ﴿وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].

قال الإمام القُرْطُبِي في "الجامع لأحكام القرآن" (12/ 50، ط. دار الكتب المصرية): [الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو مِن واجبات الحج. قال الطَّبَرِي: لا خلاف بين المتأولين في ذلك] اهـ.

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: حججنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية رضي الله عنها، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّها حائض، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: «اخْرُجُوا» متفق عليه.

فدلَّ على أنَّ طواف الإفاضة لا بد منه في أعمال الحج، وأنه حابسٌ لمن لم يفعله.

قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (9/ 58، ط. دار إحياء التراث العربي): [أجمع العلماء على أنَّ هذا الطواف -وهو طواف الإفاضة- ركنٌ من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به] اهـ.

وقال العلامة ابنُ المنذر في "الإجماع" (ص: 58، ط. دار المسلم): [وأجمعوا أنَّ الطواف الواجِب هو طوافُ الإفاضة] اهـ.

وسُمِّيَ طوافُ الإفاضة بذلك؛ لأنَّ الحاجَّ "يأتي به بعد إفاضَتِه مِن مِنًى إلى مكَّة"؛ فمِن المقرر شرعًا أن أعمالَ الحج بعد الوقوف بعرفة للحاج المتمتع والقارن أربعةُ أشياء، وهي رَمْيُ جمرة العقبة، ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، والحاجُّ المُفْرِدُ مِثلُهما إلا أنه لا هدي عليه.

قال العلامة ابن قُدَامة في "المغني" (3/ 390، ط. مكتبة القاهرة): [إذا رمى ونحر وحلق، أفاض إلى مكة، فطاف طواف الزيارة؛ لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى، ويسمى طواف الإفاضة؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وهو ركن للحج، لا يتم إلا به. لا نعلم فيه خلافًا] اهـ.

وهذا الترتيب في أعمال الحج بعد الوقوف بعرفة مسنون، على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء مِن الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وإن كَرِه الحنفية الطواف قبل الرمي والحلق، غير أن مخالفة هذا الترتيب بأداءِ أيِّ واحدٍ مِن هذه الأربعة قَبل الآخَر لا يُفسِد الحجَّ بحالٍ؛ فمَن قَدَّم طواف الإفاضة على رمي جمرة العقبة الكبرى يوم النحر (العاشر مِن شَهْر ذي الحجة)، فإنَّ حجه صحيحٌ شرعًا، ولا يجب عليه دمٌ.

قال العلامة الحَصْكَفِي الحنفي في "الدر المختار" (ص: 167، ط. دار الكتب العلمية): [يجب في يوم النحر أربعةُ أشياء: الرمي، ثم الذبح لغير المفرِد، ثم الحَلْق، ثم الطواف، لكن لا شيء على مَن طاف قبل الرمي والحلق، نعم يُكْرَه "لباب"] اهـ.

وقال الإمام النووي في "المجموع" (8/ 207، ط. دار الفكر): [الأفعال المشروعة يوم النحر بعد وصوله منى أربعة وهي: جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة، والسنة ترتيبها هكذا؛ فإن خالف ترتيبها؛ نظر إن قدم الطواف على الجميع، أو قدم الذبح على الجميع بعد دخول وقته، أو قدم الحلق على الذبح جاز بلا خلاف للأحاديث الصحيحة السابقة (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك كله فقال: لا حرج) وإن طاف ثم حلق ثم رمى جاز بلا خلاف] اهـ.

وقال الإمام القُرْطُبِي في "الكافي في فقه أهل المدينة" (1/ 376، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [ولا يطوف أحد طواف الإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة فإن أفاض قبل الرمي فليرم ثم ليحلق ثم ليفض فإن لم يفعل فلا حرج] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامة في "المغني" (3/ 396): [فإن قَدَّم الإفاضة على الرمي أجزأه طوافُه] اهـ.

وعليه فلا مانع شرعًا مِن التوجه من المزدلفة بعد المبيت بها إلى مكة مباشرةً وأداء طواف الإفاضة قبل رمي جمرة العقبة بمنًى، ولا يجب على مَن فَعَل ذلك دمٌ.

وأما السعي فقد اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في معتمد مذهبهم الترتيب بين الطواف والسعي، فجعلوا من شروط صحة السعي أن يتقدمه طواف صحيح، لكن يُمكن أن يتقدَّم السعي على طواف الإفاضة إذا كان الناسك مفرِدًا أو قارنًا وكان قد سعى بعد طواف القدوم، فإذا فعل ذلك صحَّ اتفاقًا.

قال شمس الأئمة السَّرَخْسِيُّ في "المبسوط" (4/ 51، ط. دار المعرفة): [ولا يجوز السعي قبل الطواف؛ لأنه إنما عرف قُربة بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما سعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الطواف، وهكذا توارثه الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وهو في المعنى مُتَمِّمٌ للطواف، فلا يكون معتدًّا به قبله كالسجود في الصلاة، أو شرط الاعتداد به تقدُّم الطواف، فإذا انعدم هذا الشرط لا يعتدُّ به، كالسجود لمَّا كان شرط الاعتداد به تقدُّم الركوع فإذا سبق الركوع لا يعتدُّ به] اهـ.

وقال العلَّامة الخَرَشِيُّ في "شرحه لمختصر خليل" (2/ 318، ط. دار الفكر): [(ص) وصحته بتقدم طواف ونوى فرضيته، وإلَّا فدم (ش) أي: وشرط صحة السعي في الحج والعمرة أن يتقدمه طواف، أيًّا كان، واجبًا كطواف القدوم للمفرِد والقارن، أو ركنًا كطواف الإفاضة والعمرة، أو تطوعًا كطواف الوداع، وطواف المحرم من الحرم والمردف فيه، فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف. ابن عرفة] اهـ.

وقال العلامة تقي الدين الحِصْنِي الشافعي في "كفاية الأخيار" (ص: 215، ط. دار الخير): [ويشترط وقوعه بعد طواف صحيح، سواء كان طواف الإفاضة أو طواف القدوم، فلو سعى بعد طواف القدوم أجزأه، ولا يستحب له أن يسعى بعد طواف الإفاضة؛ بل قال الشيخ أبو محمد: يُكره] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (3/ 352): [ومتى سعى المفرِد والقارِن بعد طواف القدوم لم يلزمهما بعد ذلك سعي، وإن لم يسعيا معه سعَيَا مع طواف الزيارة] اهـ.

وبناءً على ذلك، وفي واقعة السؤال: فلا مانع شرعًا من توجُّه الحاج من المزدلفة بعد المبيت بها إلى مكة المكرمة مباشرةً؛ لأداء طواف الإفاضة قبل رمي جمرة العقبة بمنى، ولا يجب على مَن فعل ذلك دمٌ؛ لأن الترتيب بين أعمال يوم النحر بعد الوقوف بعرفة ليس شرطًا ولا ركنًا ولا واجبًا. كما لا مانع من السعي بعد طواف الإفاضة قبل رمي جمرة العقبة بالنسبة للمتمتع، وكذا بالنسبة للمفرد والقارن إذا لم يكونا قد سعيا بعد طواف القدوم، أما إذا كانا قد سعيا بعد طواف القدوم فلا يلزمهما سعيٌ آخر. مع مراعاة التزام الحاج ببرنامج الرحلة المخصص له؛ حفاظًا على سلامته، ومنعًا للزحام.

والله سبحانه وتعالى   أعلم

فتاوى ذات صلة