حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 12 مايو 2026
  • رقم الفتوى: 23976

السؤال

ما حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة؟ فرجلٌ ذاهبٌ لأداء العمرة، وعازِمٌ على تكرار العمرة خلال مُكْثِهِ بمكة، فهل يجوز له أن يعتمر أكثر من مرة في السفرة الواحدة؟ وإذا جاز، فمن أين يُحرم بالعمرة الثانية: من التنعيم أو من الجِعرانة؟

لا مانع شرعًا من تكرار العمرة في السفرة الواحدة لمن أكرمه الله عز وجل بالسفر لأداء العمرة، بل يستحبُّ التكرار لمن أمكنه ذلك من غير مشقة زائدةٍ تُضعِفه عن أداء ما أنيط به من واجباتٍ دينيةٍ أو دنيوية، ولا مخالفة للأنظمة التي تقررها الجهات الرسمية المختصة.

وموضع الإحرام بالعمرة الثانية مِن أدنى الحِلِّ، سواءٌ كان ذلك من التنعيم أو الجِعرانة، فيُحرِم مِن أيِّهما شاء بحسب ما يَتَيَسَّرُ له، وخِلافُ الفقهاء بينهما إنما هو في الأفضَلِيَّة، وإلا فإنهم مُتَّفِقون على جواز الإحرام بالعمرة لمَن هو بمكة مِن أيِّ موضِعٍ في طرف الحِلِّ، وقد التزم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم التيسيرَ في هذه المسألة، فاختار الأَيسَرَ للإحرام فيما ورد عنه مِن قولٍ وفِعل.

المحتويات

 

فضل أداء العمرة

التوفيق لأداء العمرة مِن أجَلِّ نِعَمِ الله تعالى على العبد، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالحَاجُّ إِلَى بَيتِ اللهِ، وَالمُعتَمِرُ، وَفدُ اللهِ، دَعَاهُم فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعطَاهُم» أخرجه الأئمة: ابن ماجه واللفظ له، وابن حِبَّان، والبَيْهَقِي في "شعب الإيمان".

وقد حَثَّ الشرعُ الشريف على العمرة ورغَّب في أدائها، فقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وجَعَلها سببًا مِن أسباب زوال الفقر ومغفرة الذنوب، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَابِعُوا بَينَ الحَجِّ وَالعُمرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنفِيَانِ الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ» أخرجه الأئمة: أحمد، والتِّرْمِذِي، والنَّسائي، وابن حِبَّان، والطَّبَرَانِي في "المعجم الأوسط".

حكم تكرار العمرة في السنة الواحدة

تكرار العمرة أمرٌ جائزٌ مطلقًا؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» أخرجه الشيخان.

فقد أطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضلَ العمرة إلى العمرة، ولم يُقيِّده بزمنٍ معيَّن، فيشمل ما إذا وقعتا في سَنةٍ أو سنتين، أو في سفرةٍ واحدة أو في سفرات؛ لأنَّ المُطلَق يُحمَل على إطلاقه ما لم يَرِد ما يُقيِّده، ولأن كلَّ وقتٍ لا تُكره فيه استدامةُ العمرة، لا يُكره ابتداءُ الإحرام بها فيه، كسائر الأوقات.

قال الإمام العِمْراني في "البيان" (4/ 63، ط. دار المنهاج) في سياق استدلاله على جواز تكرار العمرة: [دليلنا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا» ولم يفرِّق، ولأنَّ كل وقتٍ لم يكره فيه استدامة العمرة لم يكره فيه ابتداؤها، كسائر الأوقات] اهـ.

كما أنَّ العمرة لو كانت لا تُفعَل في السنة إلا مرَّة واحدة كما هو الشأن في حج بيت الله الحرام، لسوَّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما في الحديث الشريف ولم يفرِّق، فدلت التفرقة بينهما على أن تكرار العمرة للتكفير عن الذنوب مطلوب من غير قيدٍ بعددٍ معين في السنة، بخلاف الحج فإنه لما كان لا يُفعل إلا مرة واحدة في السنة كان جزاؤه الجنة.

قال الشيخ ابن القَيِّم في "زاد المعاد" (2/ 95، ط. مؤسسة الرسالة): [وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «العُمرَةُ إِلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» دليلٌ على التفريق بين الحج والعمرة في التكرار وتنبيهٌ على ذلك؛ إذ لو كانت العمرة كالحج لا تُفعَل في السنة إلَّا مرَّةً لسَوَّى بينهما ولم يُفرِّق] اهـ.

كما يُستدَلُّ على ذلك بأنَّ الأصل عدم الكراهة حتى تثبت بدليلٍ شرعي، ولم يثبت ما يدل على الكراهة.

قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 148، ط. دار الفكر): [احتجَّ أصحابنا بأنَّ الأصل عدم الكراهة حتى يثبت النهي الشرعي، ولم يثبت هذا الخبر] اهـ.

وهذا هو قول جماهير علماء المسلمين سَلَفًا وخَلَفًا، فهو مذهب الحنفية، والشافعية، وقولُ جماعةٍ مِن أئمة المالكية كمُطَرِّفٍ، وابنِ المَوَّازِ، والحنابلة، وهو المروي عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عُمر، وابنِ عباس، وأنس، وأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، وغيرهم، حتى نص بعضُهم على أنه لا يُكره الإتيان بعُمرتين في اليوم الواحد.

قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 585، ط. دار الفكر): [تكرارُ العُمرة في سَنةٍ واحدةٍ جائزٌ بخلاف الحج، أفاده صاحب "الهندية"] اهـ.

وقال العلامةُ الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 467- 468، ط. دار الفكر): [وفي كراهة تكرار العمرة في السنة الواحدة قولان: المشهور: الكراهة وهو مذهب "المدونة"، والشاذُّ لمطرفٍ: إجازة تكرارها، ونحوه لابن المَوَّاز؛ لأنه قال: أرجو ألا يَكون بالعُمرةِ مرتين في سَنةٍ بأسٌ] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (7/ 147- 150، ط. دار الفكر): [قال الشافعي والأصحاب: جميع السَّنة وقتٌ لِلعُمرة، فيجوز الإحرامُ بها في كل وقتٍ مِن السَّنة، ولا يُكرَه في وقتٍ مِن الأوقات، وسواء أشهُر الحجِّ وغيرها في جوازها فيها مِن غير كراهة، ولا يُكرَه عُمْرَتان وثلاثٌ وأكثرُ في السَّنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يُستحب الإكثارُ منها بلا خلافٍ عندنا] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (3/ 220، ط. مكتبة القاهرة): [ولا بأس أن يَعتمر في السَّنة مِرارًا. رُوي ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمر، وابنِ عباس، وأنسٍ، وعائشة، وعطاءٍ، وطاوس، وعكرمة، والشافعي] اهـ.

على أنَّه لا يُستحبُّ تكرارُ العمرة في السفرة الواحدة إلَّا لمن وجد في نفسه نشاطًا وقدرةً على التكرار، من غير مشقةٍ زائدةٍ تُضعِفه عن أداء ما أنيط به من واجباتٍ دينيةٍ أو دنيوية، فعن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ العَمَلِ إِلَى اللهِ أَدوَمُهُ وَإِن قَلَّ» أخرجه الإمام أبو داود.

كما يجب على المعتمر الالتزامُ باللوائح والقوانين المنظمة لشعيرتي الحج والعمرة الصادرة عن الجهات المختصة، فلا يُكرِّر العمرة إلَّا في حدود ما تقرره هذه الجهات، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِمِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «السَّمعُ والطَّاعةُ على المَرءِ المُسلِمِ فيما أَحَبَّ وكَرِهَ ما لم يُؤمَر بمَعصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعصِيةٍ فلا سَمعَ ولا طاعةَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.

موضع الإحرام بالعمرة الثانية

اتفق الفقهاء على أنَّ مَن أراد الإحرام للعمرة وهو في مكة -سواء كان مِن أهلها أو مِن غير أهلها، مقيمًا أو غير مقيم- فإنَّ إحرامَه يكون مِن طرف الحِلِّ، والمراد به: كلُّ ما جاوَزَ الحَرَم ولو بخُطوةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ كلَّ من أتى على ميقاتٍ فإنه يكون ميقاتًا له، ولأنَّ أداء مناسك العمرة يكون في الحَرَم، فيخرُج المعتمر إلى أدنى الحِلِّ ليَجمع بين الحِلِّ والحرم، وليكون بمثابةِ نَوعِ سَفَرٍ.

وقد ذكر الفقهاءُ موضعَين مشهورين مِن طَرفِ الحِلِّ للإحرام منهما بالعمرة لمن هو في مكة، ورَدَت السُّنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإحرام منهما، أحدهما: مسجد التنعيم (أو ما يعرف حاليًّا بمسجد أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها)، وهو أَقرَبُ أطراف الحِلِّ إلى مكة، ويقال إنَّ بينه وبين مكة أربعة أميال -وتُعادِل بالقياسات الحديثة سبعةَ كيلومترات تقريبًا- جهة الشَّمال الغربي مِن الحرم المكي. والآخَر: مسجد الجِعرانة -بتَسكين العين والتخفيف (الجِعْرَانَة)، وقد تُكسَر العَين وتُشَدَّد الراء (الجِعِرَّانَة)-، وهو موضِعٌ في الحِلِّ بين مكة والطائف، على سبعة أميالٍ مِن مكة -وتعادل بالقياسات الحديثة عشرين كيلومترًا تقريبًا- جهة الشَّمال الشرقي مِن الحرم المكي.

وقد اختلف الفقهاء في التفضيل بين التنعيم والجِعرانة لمن أراد الإحرام بالعمرة مِن الحَرم مِن حيث الأَولَوِيَّة:

فذهب الحنفية، والإمام أبو إسحاق الشيرازي مِن الشافعية، والحنابلة في أَحد الوجهين، إلى أنَّ الإحرام مِن التنعيم أَولَى وأَفضَل، حيث أَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أمَّ المؤمنين السيدةَ عائشةَ رضي الله عنها أن تُحرِم مِن التنعيم.

قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 167، ط. دار الكتب العلمية): [والأفضل أن يُحرِم مِن التنعيم؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَحرَم منه، وكذا أصحابه رضي الله عنهم كانوا يُحرِمون لعُمرتهم منه، وكذلك مَن حصل في الحَرَم مِن غير أهله فأراد الحج أو العمرة فحُكمُه حُكمُ أهل الحرم؛ لأنَّه صار منهم، فإذا أراد أن يحرم للحج أحرم من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم، وإذا أراد أن يُحرِم بالعمرة يَخرُج إلى التنعيم، ويُهِلُّ بالعمرة في الحِلِّ] اهـ.

وقال الإمام الشِّيرَازِي الشافعي في "التنبيه" (ص: 79، ط. عالم الكتب): [إذا أراد العمرة أَحرَم مِن الميقات، فإن كان مِن أهل مكة خَرَجَ إلى أَدنى الحِلِّ، والأفضل أن يُحرِم مِن التنعيم] اهـ.

وقال العلامة المَرْدَاوِي الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 54، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: (والأفضل أن يُحرِم مِن التنعيم) هذا أَحدُ الوجهين، جَزَم به في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"الخلاصة"، و"الشرح"، و"شرح ابن مُنَجَّى"] اهـ.

وذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في الوجه الآخَر، إلى أنَّ الإحرام من الجِعرانة أَولَى، ثُمَّ يَلِيهَا في الفَضل التنعيمُ؛ لإحرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها في عُمرته حين قَسم غنائم حُنَين، ولكونها أَبعَدَ من التنعيم.

قال العلامة الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (3/ 28) في ميقات الإحرام بالعمرة لمن هو في مكة: [(ولها وللقِرَان: الحِلُّ، والجِعرانة أَولَى، ثُم التنعيم) ش: يعني أنَّ الميقاتَ المكاني للعُمرة والقِرَان لِمَن كان بمكة طرفُ الحِلِّ مِن أيِّ جهةٍ كانت ولو بخُطوةٍ واحدة، والأفضل أن يبعد عن طرف الحِلِّ، وأفضل جهات الحِلِّ الجِعرانة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتَمَر منها، ولبعدها، ثُمَّ يليها في الفضل التنعيم؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أَمر السيدة عائشة رضي الله عنها أن تعتمر منها] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (7/ 206): [قال الشافعي والأصحاب: إنَّ الإحرامَ بالعمرة مِن الجِعرانة أفضلُ مِن التنعيم، فكَيفَ أَعمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عائشة رضي الله عنها مِن التنعيم؟! (فالجواب) أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أَعمَرَهَا منه لِضِيقِ الوقت عن الخروج إلى أَبعَدَ منه، وقد كان خروجُها إلى التنعيم عند رَحِيل الحاج وانصِرَافِهِم، وَوَاعَدَهَا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مَوضِعٍ في الطريق، هكذا ثَبَتَ في "الصحيحين"، ويحتمل أيضًا بيان الجواز مِن أدنى الحِلِّ، والله أعلم] اهـ.

وقال العلامة الرملي الشافعي في "نهاية المحتاج" (3/ 263، ط. دار الفكر): [(وميقات العمرة) المكاني (لمن هو خارج الحرم: ميقات الحج)؛ للخبر المار ممن أراد الحج والعمرة، (ومَن) هو (بالحرم) مكِّيًّا أو غيره (يلزمه الخروج إلى أدنى الحِلِّ ولو بخطوة) أيْ بقليلٍ مِن أيِّ جانبٍ شاءَ؛ للجمع فيها بين الحِلِّ والحَرَم، (وأفضل بقاع الحِلِّ) للإحرام بالعمرة (الجِعرانة) للاتِّباع. رواه الشيخان. وهي بإسكان العين وتخفيف الراء أفصح من كسر العين وتثقيل الراء وإن كان عليه أكثر المحدثين، وهي في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكة، ويحكى أنَّه أحرم منها ثلاثمائة نبي صلى الله وسلم عليهم (ثم التنعيم)] اهـ.

وقال العلامة المَرْدَاوِيُّ الحنبلي في "الإنصاف" (4/ 54): [قوله: (والأفضل: أن يُحرِم مِن التنعيم) هذا أَحد الوجهين. والوجه الثاني: أنَّ الأفضلَ أنْ يُحرِم مِن الجِعرانة، جَزَم به في "المستوعب"، و"التلخيص"، و"البُلغة"، و"الرِّعايَتَين"، و"الحاوِيَين"، و"الفائق" ذكره في باب المواقيت وأطلَقَهما في "الفروع"، وقال: ظاهِرُ كلام الشيخ -يعني به المصنِّف-: الكُلُّ سواءٌ] اهـ.

ومما سبق يُعلَم أنَّ الأصلَ في هذا الخلاف بين الفقهاء هو ترجيحُهم بين فِعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأَمرِهِ، فمَن رجَّح الأمرَ قدَّم التنعيم على الجِعرانة، ومَن رجَّح الفِعل قدَّم الجِعرانة على التنعيم.

والمُتَأَمِّلُ في الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِن قولٍ وفِعلٍ، يَجدُ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد اختارَ الأَيسَرَ في كِلَيهِما كما هو المعهود عنه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا، مَا لَم يَكُن إِثمًا، فَإِن كَانَ إِثمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهُ» أخرجه الإمام البخاري.

فأَحرَم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مِن الجِعرانة أثناء عودته مِن وادي حُنَينٍ حيث تقع منطقة الجِعرانة بينه وبين مكة المكرمة، أمَّا أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها فكانت بمكة، وأقرَب الحِلِّ إلى مكة هو التنعيم، فأَمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن تُحرِمَ منه.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا مانع شرعًا من تكرار العمرة في السفرة الواحدة لمن أكرمه الله عز وجل بالسفر لأداء العمرة، بل يستحبُّ التكرار لمن أمكنه ذلك من غير مشقة زائدةٍ تُضعِفه عن أداء ما أنيط به من واجباتٍ دينيةٍ أو دنيوية، ولا مخالفة للأنظمة التي تقررها الجهات الرسمية المختصة. وموضع الإحرام بالعمرة الثانية مِن أدنى الحِلِّ، سواءٌ كان ذلك من التنعيم أو الجِعرانة، فيُحرِم مِن أيِّهما شاء بحسب ما يَتَيَسَّرُ له، وخِلافُ الفقهاء بينهما إنما هو في الأفضَلِيَّة، وإلا فإنهم مُتَّفِقون على جواز الإحرام بالعمرة لمَن هو بمكة مِن أيِّ موضِعٍ في طرف الحِلِّ، وقد التزم النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم التيسيرَ في هذه المسألة، فاختار الأَيسَرَ للإحرام فيما ورد عنه مِن قولٍ وفِعل.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة