حكم ترك تناول الطعام قبل الخروج إلى صلاة عيد الأضحى

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 25 يونيو 2025
  • رقم الفتوى: 23975

السؤال

انتشر على وسائل التواصل ادعاء أنه لا يجوز أن تذهب لصلاة عيد الأضحى إلا صائمًا! فهل هذا صحيح؟

الجواب

شرع الله تعالى الأعياد في الإسلام لحِكَمٍ عظيمة ومقاصد جليلة: تتجلى في مظاهر الترويح عن النفس ونشر السرور والفرح بين عموم الأمة، وتوثيق الروابط الاجتماعية، وتوطيد أواصر الأرحام، وإفشاء السلام، وتعميم الخير، مع إظهار شكره تعالى.

وهي معان جليلة تجلت في الأحكام الشرعية المختصة بالعيد؛ فقد جعل الله تعالى يوم الأضحى وأيام التشريق أيام ذكرٍ وتهليل له سبحانه وتعالى وأكل وشرب؛ تأكيدًا على أن دين الإسلام فيه فُسْحة وسهولة وإعطاء النفوس حظها من المباحات كالأكل والشرب والمرح في الأيام المناسبة، فعن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: بَيْنَمَا نَحْنُ بِمِنًى إِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كرَّم الله وجهه يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَلَا يَصُومُهَا أَحَدٌ». أخرجه الإمام أحمد.

وعن نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -عن أيام التشريق-: «إِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأخرجه مسلم بلفظ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» والحديث له طرق كثيرة.

ومن هنا حرَّم الشرع الشريف الصيام في العيدين (الفطر والأضحى) وأيام التشريق، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْرِ، وَالأَضْحَى» متفقٌ عليه.

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خَطَبَ في يوم عيد الأضحى وقال: «إن هذَين يومان، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه مِن نسككم» متفقٌ عليه.

وقد أجمع العلماء على حرمة الصيام يومي العيدين: الفطر والأضحى.

قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (3/ 332، دار الكتب العلمية): [صيام هذين اليومين لا خلاف بين العلماء في أنه لا يجوز على حال من الأحوال: لا لمتطوع، ولا لناذر، ولا لقاضٍ فرضًا -أن يصومهما، ولا لمتمتع لا يجد هديًا ولا يأخذ من الناس. وهما يومان حرامٌ صيامهما] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 169، ط. مكتبة القاهرة): [أجمع أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهيٌّ عنه، محرمٌ في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة] اهـ.

فظهر من ذلك أن صيام يوم عيد الأضحى -وهي مسألتنا- حرام شرعًا، وإنما الذي ورد في السُّنَّة هو إمساك الشخص في هذا اليوم عن الطعام من وقت الفجر وتأخيره حتى يصلي صلاة العيد، على خلاف عيد الفطر فإنه يستحب له أن يأكل شيئًا قبل خروجه للصلاة.

فعن بريدة رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، وَلَا يَأْكُلُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» أخرجه الإمام أحمد، والبيهقي في "السنن الصغير" و"المعرفة" و"السنن الكبير".

وأخرجه الترمذي في "السنن" عنه رضي الله عنه بلفظ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم، ولا يَطْعَم يوم الأضحى حتى يصلي» وقال: [وفي الباب عن علي، وأنس.. وقد استحب قوم من أهل العلم: ألَّا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم شيئًا، ويستحب له أن يفطر على تمر، ولا يَطْعَم يوم الأضحى حتى يرجع] اهـ.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (2/ 448، ط. دار المعرفة): [قال الزين ابن المنير: وقع أكله صلى الله عليه وسلم في كلٍّ من العيدين في الوقت المشروع؛ لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها] اهـ.

والفقهاء في مسألة تأخير الأكل والشرب حتى يرجع المصلي من صلاة العيد في الأضحى على ثلاثة أقوال:

القول الأول: الاستحباب مطلقًا، وهو الأصح عند الحنفية، والمالكية والشافعية، مع تصريح الحنفية -في المختار- بأن مَن قدَّم الأكل عليها فلا يُكْره كراهة تحريمية؛ إذ لا بد للكراهة من دليلٍ خاص. كما قال أبو الحسنات اللكنوي في "التعليق الممجد على موطأ محمد" (1/ 612، ط. دار القلم).

قال العلامة الطحطاوي الحنفي (ص: 536، ط. دار الكتب العلمية): [قال الحموي: المنفي كراهة التحريم؛ إذ لا بد من الكراهة بترك السنة وأدنى مراتبها التنزيه] اهـ.

وقال العلامة الغنيمي الحنفي في "اللباب" (1/ 117- 118، ط. المكتبة العلمية): [(ويستحب في يوم) عيد (الأضحى أن يغتسل ويتطيب) كما مر في الفطر (و) لكنه (يؤخر الأكل) في الأضحى عن الصلاة (حتى يفرغ من الصلاة) وإن لم يضح في الأصح، ولو أكل لم يكره] اهـ.

وقال الإمام خليل المالكي في "مختصره" (ص: 47، ط. دار الحديث) في أحكام العيد: [ونُدِب إحياء ليلته... وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر] اهـ.

وقال الإمام الدردير في "الشرح الكبير" (1/ 399، ط. دار الفكر، ومعه حاشية الدسوقي) منبهًا على أن الندب في ذلك في حق من يضحي ومن لم يضح سواء: [(وتأخيره في النحر)، وإن لم يُضح فيما يظهر] اهـ.

قال العلامة الدسوقي المالكي محشيًا عليه: [قوله: (وإن لم يضح) تعليل التأخير بقولهم: "ليكون أول طعمته من كبد أضحيته" يفيد عدم ندب التأخير لمن لم يُضَح، لكنهم ألحقوا مَن لا أضحية له بمَن له أضحية؛ صونًا لفعله عليه الصلاة والسلام -وهو تأخيره الفطر فيه- عن الترك] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (1/ 592، ط. دار الكتب العلمية) في أحكام العيدين: [(ويُمسك) عن الأكل (في) عيد (الأضحى) حتى يُصلي؛ للاتباع، وليتميز عيد الفطر عما قبله الذي كان الأكل فيه حرامًا، وليعلم نسخ تحريم الفطر قبل صلاته فإنه كان محرمًا قبلها أول الإسلام بخلافه قبل صلاة عيد الأضحى، والشرب كالأكل، ويُكره له ترك ذلك كما نقله في "المجموع" عن نص "الأم"] اهـ.

والقول الثاني: الأمر على الإباحة والتخيير، وهو قول بعض فقهاء المالكية كالإمام يحيى بن سعيد المدني، والإمام أبي إسحاق ابن شعبان المصري المعروف بـ"ابن القرطي" كما في "شرح التلقين" للإمام المازري المالكي (1/ 1064، ط. دار الغرب الإسلامي)، وهو ما استظهره الإمام ابن عبد البر، ونص عليه ابن ناجي التنوخي.

قال العلامة ابن ناجي التنوخي المالكي في "شرحه على متن الرسالة" (1/ 331، ط. دار الكتب العلمية): [قول الشيخ: "وليس ذلك في الأضحى" يعني: أنه لا يُستحب الفطر فيها قبل الغدو إلى المصلى؛ بل ذلك مباح، ومثل ما ذكر الشيخ في "المدونة" قال فيها: "ولا يؤمر بذلك في الأضحى" وهو كذلك في "الموطأ"، قال أبو عمر بن عبد البر: فظاهره التخيير] اهـ.

والقول الثالث: التفصيل بين واجد الأضحية وغيره، حيث نص الإمام أحمد على تخصيص الاستحباب بمن له أضحية، ومن ليس له فليتخير أمره إن شاء فعل وإن شاء أمسك، وهو قول عند الحنفية، بل فرَّق الحنفية -في قول آخر- أيضًا بين من يعيش في الحضر وبين مَن يعيش في القرى، كما في "تبيين الحقائق" للإمام الزيلعي الحنفي (1/ 226، ط. الأميرية)، و"البحر الرائق" للعلامة ابن نجيم الحنفي (2/ 167، ط. دار الكتاب الإسلامي).

قال العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (2/ 421، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: (والإمساك في الأضحى حتى يصلي) وذلك ليأكل من أضحيته، فلو لم يكن له أضحية، أكل إن شاء قبل خروجه. نص عليه الإمام أحمد، وقاله الأصحاب] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 235، ط. عالم الكتب): [(و) يسن (إمساك) عن أكل (في الأضحى حتى يصلي) العيد؛ للخبر (ليأكل من أضحيته إن ضحى) يومه.. (وإلا) بأن لم يضح (خُيِّر) بين أكل قبل خروجه وتركه، نصًّا] اهـ.

على أن في تأخير الإفطار إلى تناول الأضحية فيه معنى آخر، وهو طلب الاستضافة من الله تعالى، وكأن الأضاحي استضافة ربانية للعباد والأدب عدم تقديم طعام على طعام المضيِّف الكريم.

قال الإمام العيني الحنفي في "البناية شرح الهداية" (3/ 121، ط. دار الكتب العلمية): [الناس في هذا اليوم أضياف الله يستحب أن يكون أول تناولهم من لحوم الأضاحي التي هي ضيافة الله، فاستحب تأخير الأكل إلى ما بعد الصلاة] اهـ.

وبناء على ذلك: فإن صيام يوم عيد الأضحى حرامٌ شرعًا، وما ورد في السنة من تأخير تناول الطعام حتى الرجوع من صلاة العيد -فهو على سبيل الاستحباب لا الوجوب، والأمر فيه سِعة؛ فمَن أمسك عن الطعام والشراب وتأخر إلى أن يرجع من صلاة العيد ناله الثواب، ومَن قدَّم الأكل والشرب على الصلاة فلا إثم عليه حينئذٍ.

والله سبحانه وتعالى   أعلم

فتاوى ذات صلة