صيام يوم عرفة للمريض

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 14 مايو 2026
  • رقم الفتوى: 23972

السؤال

سائلة تقول: أنا سيدة كبيرة في السن، وأُعاني من حالة صحية شديدة بعد استئصال عضلات المريء، حتى إن أكلي وشربي أصبحا بسيطين جدًّا، ولذلك لم أستطع صيام رمضان منذ خمس سنوات بسبب ما يلحقني من تعب شديد، ومع ذلك أتمنى صيام يوم عرفة كما هي عادتي منذ سنوات، لكني أخشى إذا أجهدت نفسي بالصيام أن أتضرر صحيًّا أو أتعب تعبًا شديدًا، فهل يجوز لي شرعًا ترك صيام يوم عرفة في هذه الحالة؟ وكيف أُحصِّل الثواب في ذلك اليوم؟

الجواب

لقد رغَّب الشرعُ الشريفُ في التعرُّض لنفحاتِ الله تعالى، وهي التجليات والبركات وعطاياه الَّتِي تهب من ريَاح رَحمته، ويفيض بها على عباده، وشأن المسلم في استقبال هذه النفحات يكون بالجدِّ في الطاعات، وكثرة فعل الخيرات، رجاءَ إصابة تلك النفحات؛ فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا» أخرجه الطَّبَرَانِي.

ومن نفحات الله التي رغَّبَ الشرع الشريف في اغتنامها والإكثار فيها من الطاعات؛ يوم عرفة وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، حيث رتَّب الشَّرع الشَّريف على صيام هذا اليوم لغير الحاجِّ ثوابًا جزيلًا؛ لكونه مَظِنَّة لمغفرة الذنوب ورفع الدرجات، فورد في الآثار النبويَّة الصَّحيحة أنَّ صومه يُكفِّر سنتين، سنة ماضية وسنة مستقبلة؛ فعن أبي قَتَادَة رضي الله عنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» أخرجه مسلم.

قال الإمام النووي في "شرح النووي على مسلم" (8/ 51، ط. دار إحياء التراث العربي): [معناه: يكفِّر ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصَّغائر. وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك: أنَّه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجات] اهـ.

وقال العلَّامة الطِّيبِي في "شرح المشكاة" (5/ 1608، ط. مكتبة نزار مصطفى الباز): [قيل في تكفير ذنوب السَّنة التي بعدها: هو أنَّه تعالى يحفظه من أن يذنب فيها. وقيل: يعطى من الرَّحمة والثَّواب ما يكون كفَّارة السَّنة الثَّانية إن اتفق فيها ذَنب] اهـ.

وقد تضافرت نصوص الفقهاء على استحباب صومِ يومِ عرفةَ لغير الحاجِّ.

قال العلامة الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 79، ط. دار الكتب العلمية): [وأما صوم يوم عرفة: ففي حق غير الحاج مستحب، لكثرة الأحاديث الواردة بالندب إلى صومه، ولأن له فضيلة على غيره من الأيام] اهـ.

وقال العلامة الحَطَّاب في "مواهب الجليل" (2/ 401، ط. دار الفكر): [(وصوم عرفة إن لم يحج) ش: يعني أنه يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج] اهـ.

وقال العلامة الرَّمليُّ في "نهاية المحتاج" (3/ 206، ط. دار الفكر) عند الحديث عن صوم التطوع: [(و) صوم يوم (عرفة) وهو تاسع الحجة] اهـ.

وقال العلامة البُهُوتي في "شرح منتهى الإرادات" (1/ 493- 494 ط. عالم الكتب) في باب صيام التطوع: [(و) يسن صوم (عشر ذي الحجة) أي: التسعة الأُوَل منه لحديث «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر» (وآكده يوم عرفة وهو) أي: صومه (كفارة سنتين)] اهــ.

ومع عِظَم أجر الصوم في هذا اليوم إلا أنه ليس بواجب، فلا يُكلف به من لم يقدر عليه، فإن الله سبحانه لا يُكلف نفسًا إلا وسعها.

فإذا ما عجز المرء عن الصيام في هذا اليوم بسبب المرض، إلا أنه يؤجَر بنِيَّته الطَّيِّبة، وقصده الصالح، إذا ما عقد النية على الصيام قبل دخول يوم عرفة، وهذا من كمال فضل الله تعالى ورحمته بعباده، إذ مَن فاته ثواب مباشرة العمل المُعتَادِ بعذر طرأ عليه، فلا يفوته تحصيل ثوابه، وذلك بمجرد الهَمِّ بالفعل.

فقد ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» متفق عليه.

قال العلامة ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (10/ 199- 200، ط. مكتبة الرشد): [هذا حديث شريف بيَّنَ فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) مقدار تفضُّل الله على عباده بأن جعل هموم العبد بالحسنة -وإن لم يعملها- حسنة، وجعل همومه بالسيئة إن لم يعملها حسنة، وإن عملها كُتبت سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كُتبت عشرًا، ولولا هذا التفضل العظيم لم يدخل أحد الجنة؛ لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات، ولم يضاعف عليهم السيئات، وإنما جعل الهموم بالحسنة حسنةً؛ لأن الهموم بالخير هو فعل القلب بعقد النية على ذلك] اهـ.

وما ورد عن أبي بُردَة رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ العَبدُ، أَو سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثلُ مَا كَانَ يَعمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» أخرجه البخاري.

فأفاد هذا أن العبد إذا اعتاد المداومة على أداء طاعة بعينها، ثم عرَض له بعضُ الأعذار الشرعية التي تُخرجه عن حال الاعتدال الخاصة به، وذلك بنحو مرض، أو سفر، أو حيض، أو نفاس، أو غير ذلك، وكان ينوي قبل نزول العذر به المداومةَ على هذه الطاعة والاستمرارَ عليها، ومباشرة هذا العمل الذي كان معتادًا عليه، فإن الله تعالى يكتب له من الأجر ويقدِّر له من الثواب قدر ما كان يعمل حال انعدام العذر، بل يُضاعف له من الأجر كما يُضاعف لمباشر الطاعة؛ لصدق نيته، وتحقُّق عجزه، وخُلُو حاله من التقصير، إذ إنه لما كان في حال الصحة حريصًا على أداء الطاعة على الوجه الأتم الأكمل المُحصِّل للأجر، ناسَب أن يحصِّل كامل الأجر حال عجزه، وهذا من كرم الله تعالى وفضله على عباده، وهو ما أفادته نصوص العلماء.

قال العلامة القُرْطُبِي في "المفهم" (3/ 730، ط. دار ابن كثير): [وأما من تحقق عجزه، وصدقت نيته، فلا ينبغي أن يختلف في أن أجره مضاعف كأجر العامل المباشر؛ لما تقدم، ولما خرَّجه النسائي من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح؛ كان له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه»] اهـ.

وقال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (3/ 1042- 1043، ط. دار السلام): [الهم بالحسنات فتُكتب حسنة كاملة وإن لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلم كما تقدم: «إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً» والظاهر أن المراد بالتحدث: حديث النفس، وهو الهم، وفي حديث خُرَيْم بن فاتِك: «من هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها، كتبت له حسنة»، وهذا يدل على أن المراد بالهم هنا هو العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل] اهـ.

وقال العلامة المُنَاوي في "فيض القدير" (1/ 444، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [إذا مرض المؤمن وكان يعمل عملًا قبل مرضه ومنعه منه المرض ونيته لولا المانع إدامته (أو سافر) سفرًا مباحًا ومنعه السفر مما قطعه على نفسه من الطاعة ونِيَّته المداومة عليه، وخصه بعضهم بما فوق مسافة العدوى واعترض (كتب الله له) أي: قدر أو أمر الملَك أن يكتب في اللوح المحفوظ أو الصحيفة (من الأجر مثل ما كان) أي: قدر ثواب الذي كان (يعمل) حال كونه (مقيمًا) وحال كونه (صحيحًا) لعذره في فوت ذلك النفل، والعبد مجزي بنيته. قال ابن تيمية: وهذه قاعدة الشريعة أن من صمم على فعل وفعل مقدوره منه بمنزلة الفاعل فيكتب له ثوابه] اهـ.

ومن فاته الصيام في يوم عرفة لعذر، فلا يفوته بقية الأعمال الصالحة من الصدقة والدعاء والذكر طوال يوم عرفة؛ تعرضًا لنفحات الله الطيبات في هذا اليوم المبارك فخير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ فعَنْ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» أخرجه الترمذي.

قال المُلا عليٌّ القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 1802، ط. دار الفكر): [خير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ لأنه أجزل إثابة، وأعجل إجابة] أهـ.

وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يستحب الصيام في يوم عرفة لغير الحاج، فصيامه يكفر ذنوب سنتين، إلا أنه من عجز عن صيامه لنحو مرض؛ فلا شيء عليه لكونه غير واجب، وبما أن السائلة قد اعتادت الصوم في ذلك اليوم وعقدت النية عليه إلا أن المرض منعها من صيامه، فثوابها عند الله غير منقوص بإذن الله، والله هو المتفضل على عباده بالأجر والثواب، وإن فاتها الصوم فلا يفوتها بقية الأعمال الصالحة من ذكر الله تعالى، والدعاء، وطلب المغفرة، والصدقة، وغير ذلك من أعمال البر.

والله سبحانه وتعالى   أعلم

فتاوى ذات صلة