حكم ترك المبيت بمنى للمريض ومن لديه عذر

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 12 مايو 2026
  • رقم الفتوى: 23969

السؤال

ما حكم ترك المبيت بمنى للمريض ومن لديه عذر؟ فقد نصحني الأطباء بعدم البقاء في خيام منى أثناء أدائي لفريضة الحج لهذا العام؛ لما في ذلك من مشقة قد تفضي إلى تدهور حالتي الصحية، فما حكم تركي المبيت بمنى؟ وهل تلزمني الفدية؟ أفتونا مأجورين.

الأصل هو المبيت بمنى ليالي التشريق الثلاث، لمن قدر عليه واستطاعه، فإن تعذر على الحاج المبيت بمنى ليالي التشريق لمرض أو كبر سن -كما في صورة السؤال- أو غير ذلك من الأعذار التي لا يتيسر معها المبيت بمنى فلا حرج حينئذ في عدم المبيت بمنى، ولا يلزم الدم، فالمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع.

المحتويات

 

الحكمة من المبيت بمنى ليالي التشريق

أجمع الفقهاء على أنَّ المبيت بمنى ليالي التشريق منسك مِن مناسك الحج، وشعيرة من شعائره، ومطلوبًا يخاطب الحاج بالإتيان به؛ فعَنْ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ...» رواه أبو داود، وأحمد.

قال العلامة ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 263، ط. أوقاف المغرب): [أجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج -غير الذين رخص لهم ليالي منًى- بمنى مِن شعائر الحج ونسكه] اهـ.

ويقع مشعر منًى كما أفاد العلامة ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (5/ 198، ط. دار صادر): [في درج الوادي الذي ينزله الحاجّ ويرمي فيه الجمار من الحرم] اهـ.

وقد شُرع المبيت بمني للتيسير على الحجاج وتخفيف العبء عنهم أثناء أداء نسك رمي الجمرات في أيام التشريق الثلاثة؛ لكون مِنى أقرب الأماكن لمواضع رمي الجمرات، فيسهل على الحاج الرميُ بلا مشقةٍ في الذهاب والعودة؛ فالمقصود من البيتوتة كما قرر العلامة أكمل الدين البابرتي في "العناية شرح الهداية" (2/ 501، ط. دار الفكر) هو: [أن يسهل عليه ما يقع في الغد من النسك، وهو: الرمي] اهـ.

حكم المبيت بمنى ليالي التشريق

مع اتفاق الفقهاء على مشروعية المبيت بمنى، إلا أنهم اختلفوا في حكمه، فذهب الحنفية، وبعض فقهاء المالكية، والإمام الشافعي في أحد قوليه، والإمام أحمد في الرواية الثانية، إلى أن ترك المبيت بمنًى لا يوجب الدم استقلالًا؛ لأن المبيت بمنًى إنما شُرع لأجل انتظار نُسُك الرمي، ولذلك عدَّه الحنفية وبعض المالكية والإمام أحمد بالرواية الثانية سُنَّةً لا واجبًا، وعدَّه الإمام الشافعي في أحد قوليه مستحبًا.

قال العلامة المَرْغِينَانِيُّ الحنفي في "الهداية" (1/ 147، ط. دار إحياء التراث العربي): [ويُكرَه ألَّا يَبِيتَ بمنًى لياليَ الرمي؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بات بمنًى، وعمر رضي الله عنه كان يُؤَدِّبُ على ترك المُقام بها] اهـ.

وقال القاضي عياض المالكي في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (4/ 396، ط. دار الوفاء للطباعة): [المبيت بمنى أيامها مِن سنن الحج] اهـ.

ونقله عنه العلامة أبو عبد الله المواق المالكي في "التاج والإكليل" (4/ 186، ط. دار الكتب العلمية)، قال: [عياض: من سنن الحج رمي جمرة العقبة، ثم قال: والمبيت بمنى أيام التشريق] اهـ.

وقال العلامة الشيرازي الشافعي في "المهذب" (1/ 420، ط. دار الكتب العلمية): [ويبيت بمنًى ليالي الرمي؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فَعَلَ ذلك، وهل يجب ذلك أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما: أنه مستحب؛ لأنه مبيتٌ، فلم يجب كالمبيت ليلة عرفة] اهـ.

وقال القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي في "المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين" (1/ 285، ط. مكتبة المعارف): [نقل أبو طالبٍ وعبدُ الله فيمن لم يَبِتْ ليالي منى بمنى: لا دم عليه، ويتصدق بشيء، فيخرج في ليلة المزدلفة كذلك؛ لأن البيتوتة ليست نسكًا، وإنما تراد للتأهب لغيرها وهو الرمي والخروج إلى عرفات؛ ألَا ترى أنها تسقط بالفراغ من هذه الأشياء؟ ولأنه ترك الكون بها من غير وقت الرمي، فهو كما لو تركه نهارًا] اهـ.

بينما ذهب المالكية في المشهور، والشافعية في الأصح، والإمام أحمد في إحدى الروايتين، إلى أن المبيت بمنًى واجب، وأن تركه يوجب دمًا.

قال العلامة أبو عبد الله المواق المالكي في "التاج والإكليل" (4/ 188): [إنْ بَاتَ بمكة ولم يَبِتْ بمنًى: فعليه دم، وكذلك إن ترك المبيت بمنًى ليلةً كاملةً أو جُلَّهَا] اهـ.

وقال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (1/ 494، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فصل مبيت ليالي منى) وهي ليالي أيام التشريق (واجب) للاتباع مع خبر: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»] اهـ. ثم قال: [(فيجب بتركه) أي مبيت ليالي منى (دم) لتركه المبيت الواجب] اهـ.

وقال شمس الدين ابن قدامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (9/ 236، ط. دار الكتاب العربي): [والمبيت بمنًى في لياليها واجب في إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول عروة، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال مالك، والشافعي] اهـ.

حكم ترك المبيت بمنى للمريض ومن لديه عذر

الأصل في حال السعة وتوفُّر المكان للمبيت أن يبيت الحاج في منى إذا ناسب ذلك حال الحاج وقدرته، فإذا تعذَّر على الحاجّ المبيت بمنًى بسبب المرض أو عذر ككبر سن، أو المشقة التي يخاف معها الهلاك، أو لضرورةٍ من عملٍ أو خدمة الحجاج ونحو ذلك، أو بسبب الخوف على النفس أو المال، أو خشية فوتِ أمرٍ يطلبه، أو رفقة مريضٍ يخاف هلاكه بترك تعهده، أو إعلان الجهات التنظيمية الرسمية -في وقتٍ ما- شغل الحجاج كلَّ أماكن المبيت بمنًى، وعدم وجود مكانٍ بها يمكن لغيرهم المبيت فيه؛ فمذهب الحنفية والشافعية والحنابلة: جواز ترك المبيت بها، بلا حرج ولا فدية.

قال العلامة الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 159، ط. دار الكتب العلمية): [ويكره أن يبيت في غير منى في أيام منى، فإن فعل لا شيء عليه، ويكون مسيئًا؛ لأن البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة، وعند الشافعي يجب عليه الدم؛ لأنها واجبة عنده، واحتج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله على الوجوب في الأصل، ولنا: ما روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية»، ولو كان ذلك واجبًا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له في ذلك، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على السنة توفيقًا بين الدليلين] اهـ. وتوجيه ذلك: أنه إذا كان تَرك المبيت لغير عذر لا يوجب فدية ويُكتفى فيه بالقول بالكراهة، فإنَّ تركه لعذر معتبر فلا فدية من باب أولى، وتسقط الكراهة بالعذر.

وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 275-276، ط. دار الكتب العلمية): [يُعذر في ترك المبيت وعدم لزوم الدم: خائفٌ على نفسٍ أو مالٍ، أو فوتِ أمرٍ يطلبه؛ كآبق، أو ضياعِ مريضٍ بترك تعهده؛ لأنه ذو عذرٍ فأشبه الرعاء وأهل السقاية] اهـ.

وقال العلامة شمس الدين ابن قدامة الحنبلي في "الشرح الكبير" (3/ 481): [وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم فوجب إلحاقهم بهم لوجود المعنى فيهم] اهـ.

بينما ذهب المالكية إلى وجوب الدم بترك المبيت بمني دون تفريق بين الضرورة وعدمها، قال الإمام الخرشي في "شرحه لمختصر خليل" (2/ 337، ط. دار الفكر): [(وإن ترك المبيت فوق العقبة وبات دونها جهة مكة جل ليلة فإنه يلزمه الدم على المشهور وظاهره، ولو كان الترك لضرورة كخوف على متاعه، وهو الذي يقتضيه مذهب مالك على حسب ما روى عنه ابن نافع فيمن حبسه مرض فبات بمكة: أن عليه هديًا] اهـ.

المختار للفتوى في حكم ترك المبيت بمنى للمريض ومن لديه عذر

المختار للفتوى: أن المبيت بمنى ليالي التشريق الثلاث مطلوب شرعًا للحاج إذا قدر عليه واستطاعه، فإن تعذر عليه المبيت بمنى ليالي التشريق لمرض أو كبر سن أو غير ذلك من الأعذار، جاز ترك المبيت بها، ولا حرجٍ في ذلك ولا فدية؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لِيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، «فَأَذِنَ لَهُ»" متفق عليه.

ويلحق بالسقاة والرعاة المرخص لهم في ترك المبيت بمنى أصحاب الأعذار، وكل من حبسه عن المبيت شاغلٌ شرعي أو خدمةٌ عامة للحجيج؛ بجامع الحاجة، وتوافر العلة فيهم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (3/ 579، ط. دار المعرفة): [وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس، أو بغير ذلك مِن الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود. وقيل: يدخل معه آلُهُ. وقيل: قومه؛ وهم بنو هاشم. وقيل: كلُّ مَن احتاج إلى السقاية فله ذلك. ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس رضي الله عنه، حتى لو عملت سقاية لغيره؛ لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم مَن عَمَّمه؛ وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك: إعداد الماء للشاربين. وهل يختص ذلك بالماء، أو يلتحق به ما في معناه مِن الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق مَن له مالٌ يخاف ضياعه، أو أمرٌ يخاف فوته، أو مريضٌ يتعاهده: بأهل السقاية] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالأصل هو المبيت بمنى ليالي التشريق الثلاث، لمن قدر عليه واستطاعه، فإن تعذر على الحاج المبيت بمنى ليالي التشريق لمرض أو كبر سن -كما في صورة السؤال- أو غير ذلك من الأعذار التي لا يتيسر معها المبيت بمنى فلا حرج حينئذ في عدم المبيت بمنى، ولا يلزم الدم، فالمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة