ما هو الميقات المكاني للإحرام لمَن يسافر لمدينة جدة جوًّا؟ فقد عزمتُ على الحج أنا وزوجتي ونسكن في مدينة حائل بالمملكة العربية السعودية، وطريق ذهابنا جوًّا بالطائرة إلى جدة، ومنها لمكة لأداء المناسك، فهل الإحرام يكون من ميقات أهل مكة، أو يكون من ميقات أهل حائل (الجُحْفَة أو رابغ)؟
الأصل أن مريد النُّسك يحرم من ميقات بلده، فإذا جاوزه إلى ميقات آخر فيصير الميقات الثاني ميقاتًا له ويجوز له أن يحرم منه، ولا يجوز له تجاوز المواقيت ودخول مكة دون إحرام.
فإذا خرجتَ أنت وزوجتك من "حائل" بغرض أداء مناسك الحج، فعليكما الإحرام من الميقات، فإذا كان سفركما إلى جدة جوًّا فيجوز لكما الإحرام من رابغ، كما يجوز تأخير الإحرام حتى وصولكما إلى جدة فتحرمان منها، ولا يجوز لكما تجاوزها ودخول مكة دون إحرام.
المحتويات
من المقرر شرعًا أن الإحرام فرضٌ من فروض الحجِّ، والمراد بالإحرام هو نِيَّةُ الدخول في النُّسك حجًّا كان أو عمرة، والإحرام بالحج له ميقات زماني وميقات مكاني:
فالميقات الزماني: هو الوقت الذي قدَّره الشارع للحج ويبدأ من أول ليلة عيد الفطر في شوال إلى فجر يوم النحر، أي يجوز للمسلم أن يحرم بالحج أثناء هذا الوقت، ويفوت الإحرام بالحج بعد فوات فجر يوم النحر.
أما الميقات المكاني: فهي الأمكنة التي أوجب الشارعُ على كلِّ من يأتي واحدًا منها، قاصدًا بيتَ الله، ناويًا نسكًا، أن يُحرم منها ولا يتجاوزها، ثم على ممرِّ كل قومٍ يأتون من صوبهم ميقاتٌ، كما قال إمام الحرمين الجُوَيْني في "نهاية المطلب" (4/ 206، ط. دار المنهاج).
ويختلف الميقات بالنسبة لمن يقيم في مكة (أو داخل حدود الحرم) ومن يقيم خارج ذلك، فهو مرتبط بالجهة التي يَقْدَم منها الناسك إلى البيت الحرام، بحيث يُحرِمُ من الجهة التي تقابلُهُ حالَ قدومِهِ إلى الحرم وإن لم يكن من أهلها، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: «وَقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن، فَمُهَلُّهُ من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يُهِلُّونَ منها» أخرجه البخاري.
ومن ثَمَّ فذو الحُليفة: المعروف الآن بــ "أبيار علي" ميقات أهل المدينة ومَن جاء مِن قِبَلِها، والـجُحفة: وبدلها الآن "رابغ" ميقات أهل الشام ومصر والمغرب ومَن جاء مِن قِبَلِها، ويَلَمْلَم: المعروف الآن بــ "السعدية" ميقات أهل اليمن ومَن جاء مِن قِبَلِها، وقرن المنازل: المعروف الآن بــ "السيل الكبير" ميقات أهل نجد ومَن جاء مِن قِبَلِها، وذات عِرْق: المعروف الآن بــ "الضريبة أو الخريبات" ميقات أهل العراق وخراسان وفارس ومَن وراءهم.
أمَّا ميقات حج أهل مكة: فمكةُ، وفي العمرة: أدنى الحِلِّ، ومن كان بين مكة وبين الميقات: فميقاته موضعه، كما أفاده الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 42)، والإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (8/ 81، ط. دار إحياء التراث العربي).
الأصل أن يحرم أهل كل قطر من ميقاتهم، فإذا جاوز الناسك ميقات بلده إلى ميقات آخر، فقد نَصَّ جمهور الفقهاء على مشروعية إحرامه من الميقات الثاني، وأنه بذلك صار من أهل الميقات الثاني؛ إذ المقصود حصول الإحرام من أيِّ ميقاتٍ كان، دون اختصاصٍ أو تقييدٍ، ومن غير نظرٍ إلى وطنِ النَّاسك أو انتسابه إلى بعض الأقطار.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية -حال كون التأخير إلى ميقات البلدة الأصلية للمحرم دون غيره-، والشافعية أيضًا في (حق الأجير)، والحنابلة.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 164، ط. دار الكتب العلمية): [ولو جاوز ميقاتًا من هذه المواقيت من غير إحرام إلى ميقات آخر جاز له؛ لأن الميقات الذي صار إليه صار ميقاتا له] اهـ.
وقال الإمام الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (3/ 37، ط. دار الفكر) نقلًا عن أبي إسحاق التونسي: [وكل من مر بميقات ليس له فعليه أن يحرم منه إذا لم يكن ميقاته بين يدي هذا الذي مر؛ لأنه قد صار هذا الذي مر به ميقاتًا له لمَّا لم يكن بين يديه ميقات له] اهـ.
وقال الإمام النَّووي الشافعيُّ في "روضة الطالبين" (3/ 26، ط. المكتب الإسلامي): [ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر، فالمذهب: أنه لا شيء عليه] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (3/ 249، ط. مكتبة القاهرة): [وهذه المواقيت لأهلها، ولمن مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة، وجملة ذلك أن من سلك طريقًا فيها ميقات فهو ميقاته، فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، وإن حج من العراق فميقاته ذات عرق. وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له] اهـ.
الذي عليه الفتوى أنَّه يجوز لـمَن أراد النسك حجًّا كان أو عمرة وسافر من بلدته إلى جدة جوًّا أن يؤخر إحرامه إلى أن يصل جدة فيحرم منها، سواء كان من أهلها أو من غير أهلها؛ وذلك كالمسافر بالبحر، فقد نصَّ فقهاء المالكية على جواز تأخير الإحرام في حقه إلى أن ينزل البر فيحرم منه، ويُلحق به المسافر بالطائرة فيجوز له أن يؤخر الإحرام إلى أن ينزل من الطائرة، ومحل نزول المسافر بالطائرة إلى جدة نفس جدة، فتكون هي محل إحرامه.
قال الإمام القرافي في "الذخيرة" (3/ 207، ط. دار الغرب الإسلامي): [ومن أتى في البحر إلى جدة من مصر ونحوها... لا يلزمه الإحرام في البحر متحريًا الجحفة؛ لما فيه من التغرير برد الريح فيبقى عمره محرمًا حتى يتيسر السفر السالم، وهذا حرج عظيم ولا يختلف في دفع الحرج بترك الإحرام إلى البر وإذا ثبت الجواز فلا يجب دم لعدم الدليل عليه] اهـ.
وقال الإمام الحطاب في "مواهب الجليل" (3/ 35): [من سافر في البحر، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات... خلافًا لسند في قوله: إنه يؤخر للبر خوفًا من أن ترده الريح فيبقى محرمًا، وهو ظاهر من جهة المعنى، ونقل ابن الحاج عن ابن نافع مثل قول سند فقال: وقال ابن نافع: لا يحرم في السفن ورواه عن مالك انتهى] اهـ.
وتخريجًا على ذلك: فمن أراد الحج أو العمرة وكان قادمًا من مدينة حائل إلى مدينة جدة جوًّا فالأصل أنه يحرم من ميقاته "رابغ"، ويجوز له تأخير الإحرام إلى جدة والإحرام منها بالحج أو العمرة ولا حرج عليه، ولا يجوز له والحالة هذه أن يتجاوز جدة فيصل إلى مكة دون إحرام؛ إذ مكة ليست ميقاتًا مكانيًّا له، قال العلامة علاء الدين السمرقندي في "تحفة الفقهاء" (1/ 394، ط. دار الكتب العلمية): [لا يجوز للآفاقي التجاوز عن هذه المواقيت لدخول مكة لقصد الحج أو للتجارة ونحوها إلا محرمًا] اهـ.
بناءً على ذلك: فالأصل أن مريد النُّسك يحرم من ميقات بلده، فإذا جاوزه إلى ميقات آخر فيصير الميقات الثاني ميقاتًا له ويجوز له أن يحرم منه، ولا يجوز له تجاوز المواقيت ودخول مكة دون إحرام.
وفي واقعة السؤال: فإذا خرجتَ أنت وزوجتك من "حائل" بغرض أداء مناسك الحج، فعليكما الإحرام من الميقات، فإذا كان سفركما إلى جدة جوًّا فيجوز لكما الإحرام من رابغ، كما يجوز تأخير الإحرام حتى وصولكما إلى جدة فتحرمان منها، ولا يجوز لكما تجاوزها ودخول مكة دون إحرام.
والله سبحانه وتعالى أعلم.