كيفية التلبية ووقتها وفضلها

  • المفتى: فضيلة أ. د/ نظير محمد عياد - مفتي الجمهورية
  • تاريخ الصدور: 05 مايو 2026
  • رقم الفتوى: 23922

السؤال

رجلٌ عزم على الحجِّ هذا العام، فما كيفية التلبية الصحيحة؟ وما وقتها؟ وما فضلها؟

التلبية عبادةٌ قوليَّة يجهر بها المُحرِم، وصيغتها: "لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والمُلْك، لا شريكَ لك".

ويبدأ وقتها من الإحرام بالحجِّ، ويُسنُّ رفع الصَّوت بها، وتكرارها بحسب الإمكان في مختلف الأوقات والأحوال، وينتهي وقتها بالشُّرُوعِ في أيِّ عملٍ مِن أعمال التَّحلُّل مِن الرَّمي أو الطواف أو الحلق.

والتلبية فضلها عظيم، ويُحصِّل بها المُحرِمُ الأجرَ الجزيلَ والفضلَ العميمَ، وينسجم بها مع مخلوقات الله، فكلُّ ما حوله يلبِّي اللهَ تعالى بتلبيته، كما أنَّ التلبية سببٌ لمحو الخطايا وغفران الذُّنوب، وبها يبشَّر المُحرِم بدخول جنَّات علَّام الغيوب.

المحتويات

 

التلبية شعار الحج وروحه

مِن المقرَّر في الشرع الشريف أنَّ التلبية شعارُ الحجِّ وروحُه، فالحجُّ عبادةٌ تجمع بين السَّعي بالأبدان، والذكرِ باللسان، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198].

قال الشيخ الشوكاني في "فتح القدير" (1/ 232، ط. دار ابن كثير): [المراد بذكر الله عند المشعر الحرام: دعاؤه، ومنه: التلبية والتكبير، وسمِّي المشعر مشعرًا مِن الشِّعار وهو العلَامة، والدعاءُ عنده من شعائر الحج] اهـ.

وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أَصْحَابَكَ فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وأحمد واللفظ له، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.

المراد بالتلبية وكيفيتها

المراد بالتلبية: ما يقوله الحاجُّ أو المعتمر مهللًا ذاكرًا ومعظِّمًا اللهَ تبارك وتعالى مما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

- وكيفيَّتها: أن يقول المحرِم: "لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"؛ لما ورد في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ تلبيةَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» متفق عليه.

وقت التلبية في الحجّ

وقتها: يبدأ من وقت الإحرام بالحجِّ، فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -المتقدم ذكره- أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِي الله عنهما كان يقول: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْد مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ».

وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه قال: «صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ» متفق عليه.

وينبغي اقتران التَّلبية بالإحرام، على خلافٍ بين الفقهاء في درجات الإلزام بذلك شرعًا.

فالمذهب عند الحنفيَّة أنها شرطٌ للإحرام، ووافقهم ابن حبيب من المالكيَّة في اشتراط التلبية لانعقاد الإحرام، فمَن تَرك التلبية أو ما يقوم مقامها عند نيَّة الإحرام لم ينعقد إحرامه.

قال العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (2/ 14، ط. الأميرية): [التلبية في الحجِّ بمنزلة التكبير في الصلاة، أولها شرطٌ وباقيها سُنَّة] اهـ.

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار" (2/ 479، ط. دار الفكر): [لا بدَّ مِن التلبية أو ما يقوم مقامها، فلو نوى ولم يُلَبِّ أو بالعكس لا يصير محرِمًا. وهل يصير محرِمًا بالنيَّة والتلبية، أو بأحدهما بشرط الآخر؟ المعتمد: ما ذكره الحسام الشهيد: أنَّه بالنيَّة لكن عند التلبية، كما يصير شارعًا في الصَّلاةِ بالنيَّة لكن بشرط التكبير لا بالتكبير] اهـ.

وقال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (3/ 9، ط. دار الفكر): [ذهب ابن حبيب إلى أنَّ التلبية شرطٌ في انعقاد الإحرام، فتكون كالنيَّة. قال الشيخ زرُّوق في شرح قول "الرسالة": وينوي ما أراد مِن حج أو عمرةٍ يعني مع التلبية؛ لأنها عند ابن حبيب بمثابة تكبيرة الإحرام] اهـ.

وذهب المالكية وبعض الشافعية إلى أنها واجبة، ويستحب اقترانها واتصالها بالإحرام، ويَلْزَم بتركها دمٌ، كما زاد المالكيَّة وجوب عدم الفصل بين التلبية والإحرام بفاصلٍ طويل، ويجب بالفصل الطويل دم.

قال العلامة العدوي المالكي في "حاشيته على كفاية الطالب" (1/ 522، ط. دار الفكر): [التلبية في نفسها واجبةٌ، ويُسنُّ مقارنتها للإحرام، ويُندب تجديدها أو يُسن، ثم إن كان الفصل طويلًا فدمٌ كان عمدًا أو سهوًا، ولو رجع ولبَّى لا يَسقُط عنه. ومَثَلُ الطُّولِ ما إذا تَرَكها جملةً، فلو أتَى بها أولَه ولو مرَّةً ثمَّ ترك فلا دَمَ عليه إذا قالها مرَّةً، كما إذا قلَّ الفَصلُ] اهـ.

وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (4/ 89، ط. دار الكتب العلميَّة): [حُكِي عن أبي علي بن خيران، وأبي علي بن أبي هريرة أنَّ التلبية في أثناء الحج والعمرة واجبةٌ] اهـ.

بينما ذهب الشافعيةُ في المعتمد والمشهور بالمذهب، والحنابلةُ إلى أنها سُنَّة.

قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (7/ 246، ط. دار الفكر): [التلبية مستحبَّة بالاتِّفاق وليست واجبة، هذا هو الصَّواب المشهور مِن نصوص الشافعي والأصحاب] اهـ.

وقال العلامة البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 419، ط. عالم الكتب): [والتلبية سُنة) لفعله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بها، وهي ذكرٌ فيه، فلم تجب كسائر الأذكار، (ويُسن ابتداؤها) أي: التلبية (عقب إحرامه) على الأصح] اهـ.

ثمَّ إنَّ المحرِم يُسنُّ له الإكثار مِن التلبية مع رفع الصَّوت متى صَعد مكانًا مُرتفعًا أو هبط وَادِيًا، وكذلك في أدبَار الصَّلَوَات، وإِقبَالِ اللَّيل والنَّهار وعند اجتماع الرِّفاق.

فعن سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباسٍ رضي الله عنهما إهلالَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «أَوْجَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْإِحرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَاسْتَوَت بِهِ قَائِمًا أَهَلَّ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنهُ قَومٌ، فَقَالُوا: أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدرِكُوا إِلَّا ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى عَلَا الْبَيدَاءَ، فَأَهَلَّ، فَأَدرَكَ مَعَهُ رِجَالٌ، فَقَالُوا: أَهَلَّ حِينَ عَلَا الْبَيدَاءَ» أخرجه الإمام أبو يعلى.

قال الإمام النووي في "المجموع" (7/ 245) في كلامه عن التلبية: [يستحب الإكثار منها في دوام الإحرام، ويستحب قائمًا وقاعدًا، وراكبًا وماشيًا، وجُنُبًا وحائضًا، ويتأكد استحبابها في كلِّ صعودٍ وهبوطٍ، وحدوث أمرٍ مِن ركوبٍ أو نزولٍ أو اجتماع رفقةٍ أو فراغٍ مِن صلاةٍ، وعند إقبال الليل والنهار ووقت السَّحَر، وغير ذلك مِن تغاير الأحوال] اهـ.

وينتهي وقت التلبية برمي جمرة العقبة يوم النَّحْر، أي: يوم العاشر من ذي الحجة، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفيَّة، والشَّافعيَّة، والحنابلة، وهو قولٌ عند المالكية، ولا فَرق في ذلك بين المفرد والقارن والـمُتَمتِّع؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ أَنَّه لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» متفق عليه.

وحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: «وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، لَقْدْ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَمَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ حَتَّى رَمَى جَمْرةَ الْعَقَبَةِ، إِلَّا أَنْ يَخْلِطَهَا بِتَكْبِيرٍ أَوْ تَهْلِيلٍ» أخرجه الإمام أحمد.

قال العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (2/ 30): [(واقطع التلبية بأولها)، أي: مع أَوَّل حصاة ترميها] اهـ.

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي" (1/ 375، ط. مكتبة الرياض الحديثة): [ويقطع الحاج التلبية بأولِ حصاةٍ يرميها من جمرة العقبة، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها، وثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو جائزٌ مباحٌ عند مالك] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (8/ 154): [ويقطع التلبية مع أول حصاة] اهـ.

وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في "الفروع" (5/ 395، ط. مؤسسة الرسالة): [ويقطع الحاج التلبية عند رمي أول حصاة من جمرة العقبة] اهـ.

فإن بدأ المُحرم تحلله بغير الرَّمي من أعمال التحلل من الإحرام كالطواف أو الحَلقِ قطع التلبية أيضًا؛ لأنها شعار الإحرام، فلا تبقى مع الشروع في أعمال التحلل من الإحرام.

قال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 268، ط. دار الكتب العلميَّة): [هذا إذا جعله أول أسباب التحلل كما هو الأفضل. أما إذا قدَّم الطواف أو الحلق عليه قطع التلبية من وقته؛ لأخذه في أسباب التحلل، والتلبيةُ شعار الإحرام] اهـ.

بينما يرى المالكية في المشهور أنَّ قطع التلبية في الحج يكون بعد الزَّوال يوم عرفة، على خلافٍ بينهم في قَطع التلبية قبل عرفة في أثناء الطواف والسعي، هل تكون بدخول مكة أَم بالشروع في الطواف؟

فمَن أحرمَ بالحجِ مِن عرفة فإنَّه لا يزال يُلَبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، ومَن أحرم بعد الزَّوال، فالمشهور أنَّه يأتي بالتلبية، ثُمَّ يقطعها، وقيل: يُلَبِّي إلى رمي جمرة العقبة.

قال العلامة الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (3/ 107): [ص: (برَوَاحِ مُصَلَّى عرفة) ش: يريد إلَّا أن يُحْرِم بها، فإنَّه يُلَبِّي حينئذٍ، ثم يَقْطَع على المشهور، كما صَرَّح به القرافي في "شرح الجلاب"، وقال ابن الجلاب: إنه يلبي إلى جمرة العقبة] اهـ.

وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 324، ط. دار الفكر) في حكايته الخلاف في قطع التلبية: [(ص): وهل لمكة أو للطواف؟ خلاف، (ش): يعني: أنَّ مَن أحرم بحج مفردًا أو قارنًا هل يستمر يلَبِّي حتى يدخل بيوت مكة فيقطع التلبية، فإذا طاف وسعى عاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها؟ هذا مذهب "الرسالة" وشَهَّره ابن بشير. أو لا يزال يلَبِّي حتى يبتدِئَ بالطواف، وهو مذهب "المدونة"، خلاف] اهـ.

وقال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الكافي" (1/ 371): [وإذا زالتِ الشمس، قطع الُمحرِمون التلبيةَ إلا مَن أحرمَ بالحجِّ بعرفةَ فإنَّه لا يزال يُلَبِّي حتى يرمي جمرة العقبة] اهـ.

وقال (1/ 371): [الاختيار عند مالك: قطعُ التلبيةِ للحاجِّ عند زوال الشمس من يوم عرفة، وقال في "مُوَطَّئِهِ": على ذلك الأمر عندنا] اهـ.

بيان فضل التلبية

- أمَّا فضل التلبية: فظاهرٌ في أنَّها عبادةٌ يشارك فيها المسلمَ كلُّ المخلوقات في تعظيم الله جلَّ وعَلَا وعبادته؛ فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، والترمذي، والحاكم في "المستدرك" وصححه.

والتلبية مِن شعائر الحجِّ التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ لها فضلًا كبيرًا وثوابًا جزيلًا عند الله جلَّ وعلا، فمن ذلك الفضل:

أنَّ التلبية مِن أفضل شعائر الحجِّ؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، والترمذي، وابن خزيمة في "الصحيح" وقال: "قال أبو بكر: العجُّ رفع الصَّوت بالتلبية، والثَّجُّ نحر البُدْنِ، والدَّم مِن المنحر".

وأنها مغفرةٌ للذنوب والسيئات؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا آبَتِ الشَّمسُ بِذُنُوبِهِ» أخرجه الإمامان: الإسماعيلي في "معجم أسامي الشيوخ"، والبيهقي في "شعب الإيمان".

وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى لِلهِ يَوْمَهُ يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمسُ، إِلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ، فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وأحمد، وأبو نعيم في "حلية الأولياء".

وأنَّها يبشَّر الُمحرِم بها بالجنَّة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» أخرجه الإمام الطبراني في "المعجم الأوسط".

قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (5/ 430، ط. المكتبة التجارية الكبرى): [أي: ما رَفَعَ مُلَبٍّ صوتَه بالتلبية في حج أو عمرة «وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ بِالْجَنَّةِ» أي: بَشَّرَته الملائكةُ أو الكاتبان بها] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ذلك: فالتلبية عبادةٌ قوليَّة يجهر بها المُحرِم، وصيغتها: "لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والمُلْك، لا شريكَ لك"، ويُسنُّ رفع الصَّوت بها عند الإحرام وتكرارها بحسب الإمكان في مختلف الأوقات والأحوال، وينتهي وقتها بالشُّرُوعِ في أيِّ عملٍ مِن أعمال التَّحلُّل مِن الرَّمي أو الطواف أو الحلق، وهي شعيرةٌ مِن شعائر الحجِّ فضلها عظيم، ويُحصِّل بها المُحرِمُ الأجرَ الجزيلَ والفضلَ العميمَ، وينسجم بها مع مخلوقات الله، فكلُّ ما حوله يلبِّي اللهَ تعالى بتلبيته، كما أنَّ التلبية سببٌ لمحو الخطايا وغفران الذُّنوب، وبها يبشَّر المُحرِم بدخول جنَّات علَّام الغيوب.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة