سائل يقول: امرأةٌ لها أولادٌ ذكورٌ وإناث، وتريد أن تهب لهم جزءًا من مالها في حياتِها، فهل إذا أرادت أن تسوي بينهم في الهبة تعطي الذكر كالأنثى، أو تعطي الذكر مثل حظ الأنثيين كقسمة الميراث؟ وهل يجوز لها أن تفاضل بينهم في الهبة؟
يجوز شرعًا للمرأة المذكورة أن تهب جزءًا من مالها في حياتها لأولادها، والأصل أن تسوي بينهم في الهبة إذا كانوا في الحاجة أو عدمها سواء، وتتحقق هذه التسوية بأن تهب الذكر كالأنثى كما هو قول جمهور الفقهاء، أو تهب الذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قول جماعة من الفقهاء، وبأيٍّ من الرأيين عملَت فلا إثم عليها ولا حرج.
فإن كان هناك معنًى معتبرٌ في بعض أولادها يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، أو نحو ذلك، فإن التفضيل جائز حينئذٍ من غير إثم عليها في ذلك ولا حرج.
المحتويات
الأصل المقرر شرعًا أنَّ الإنسانَ حرُّ التَّصرُّف فيما يدخل تحت ملكه، ببيعه أو هبته أو وقفه أو إجارته أو غير ذلك من التصرفات الشرعية التي هي فرع عن الملك، فعن حِبَّان بن أبي جَبلة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ» أخرجه الإمامان: البيهقي، والدارقطني.
ومع ذلك فقد طلب الشَّرع الشريف من المُكلَّف أن يُسَوِّيَ بين أولاده في خصوص هبته لهم؛ لئلَّا يورث بينهم العداوة والبغضاء أو يفتح لهم بابًا إلى قطيعة الرحم.
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، اشهَد أنِّي قد نَحَلتُ النعمانَ كذا وكذا من مالي، فقال: «أَكُلَّ بَنِيكَ قَد نَحَلتَ مِثلَ ما نَحَلتَ النُّعمَانَ؟» قالَ: لَا، قَالَ: «فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي»، ثُمَّ قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَن يَكُونُوا إِلَيكَ فِي البِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» أخرجه الإمام مسلم.
وعن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَاوُوا بَينَ أَولَادِكُم فِي العَطِيَّةِ، وَلَو كُنتُ مُؤثِرًا أَحَدًا لَآثَرتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ» أخرجه الإمام سعيد بن منصور.
قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (6/ 127، ط. دار الكتب العلمية) عند ذكره حكم التسوية بين الأولاد في الهبة: [ولأنَّ في التسوية تأليف القلوب، والتفضيل يورث الوحشة بينهم، فكانت التسوية أولى] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (6/ 52، ط. مكتبة القاهرة) في سياق حديثه عن التسوية بين الأولاد في الهبة: [ولأنَّ تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوةَ والبغضاءَ وقطيعةَ الرحم، فمنع منه] اهـ.
الفقهاء متفقون على أنَّ محلَّ الأمر بالتسوية بين الأولاد في الهبة إنَّما هو عند استوائهم في الحاجة أو عدمها، أمَّا إذا وُجد معنًى معتبرٌ في بعضهم يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، فإنَّه يخرج عن محلِّ الأمر بالتسوية والنهي عن المفاضلة، وكذلك يخرج عن ذلك حرمانُ بعض الأولاد من الهبة حال الحياة لمعنىً معتبرٍ شرعًا، كالسَّرَف، أو العقوق، أو الفسق، أو إتلاف المال، أو نحو ذلك.
واستدلَّ الفقهاء على ذلك بما ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من أنَّهم فضَّلوا بعض أبنائهم دون نكير عليهم من باقي الصحابة، فقد فَضَّل أبو بكر عائشةَ رضي الله عنهما، وكذلك فَضَّل عُمرُ رضي الله عنه ابنَه عاصمًا بشيء أعطاه إيَّاه، وفَضَّل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه ولدَ أمِّ كلثوم.
قال الإمام المُزَني في "المختصر" (1/ 696-697، ط. دار مدارج): [قد فضَّلَ أبو بكر عائشة بنخلٍ، وفضَّلَ عمرُ عاصمًا بشيءٍ أعطاه إيَّاه، وفضَّلَ عبد الرحمن بن عوف ولدَ أمِّ كلثوم] اهـ.
وقال الإمام البيضاوي معلِّقًا على ذلك -كما نقله عنه الإمام المُناوي في "فيض القدير" (1/ 127، ط. المكتبة التجارية الكبرى)-: [وقُرِّرَ ذلك ولم ينكر عليهم، فيكون ذلك إجماعًا] اهـ.
وقال العلامة شيخي زاده الحنفي في "مجمع الأنهر" (2/ 358، ط. دار إحياء التراث العربي): [وإن كان بعض أولاده مشتغلًا بالعلم دون الكسب: لا بأس بأن يفضِّله على غيره، وعلى جواب المتأخِّرين: لا بأس بأن يعطي مِن أولاده مَن كان عالمًا متأدِّبًا، ولا يعطي منهم من كان فاسقًا فاجرًا] اهـ.
وقال الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في "المنتقى شرح الموطأ" (6/ 94، ط. مطبعة السعادة): [في "العتبية" عن مالك في الرجل يكون له الولد فيبره بعضهم، فيريد أن يعطيه عطية من ماله دون غيره: لا بأس بذلك] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (3/ 567، ط. دار الكتب العلمية): [محل الكراهة عند الاستواء في الحاجة أو عدمها، وإلَّا فلا كراهة، وعلى ذلك يحمل تفضيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما مرَّ، ويستثنى العاق والفاسق إذا علم أنَّه يصرفه في المعاصي، فلا يكره حرمانه] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (6/ 53): [فإن خَصَّ بعضهم لمعنًى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زَمَانة، أو عمًى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك] اهـ.
ثم اختلف الفقهاء في حكم المفاضلة بين الأولاد في الهبة إذا لم يكن هناك معنًى معتبرٌ يقتضي التفضيل، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى كراهة المفاضلة، واستثنى المالكيةُ -في رواية- هبةَ الأقل من المال من الكراهة، إذ خصُّوا الكراهة بما إذا كانت الهبة لجميع المال أو أكثره.
قال العلامة ابن نُجَيم الحنفي في "البحر الرائق" (7/ 288، ط. دار الكتاب الإسلامي): [يُكرَه تفضيل بعض الأولاد على البعض في الهبة حالة الصحة] اهـ.
وقال الإمام أبو الوليد بن رشد المالكي في "البيان والتحصيل" (13/ 401، ط. دار الغرب الإسلامي): [لا اختلاف أنَّه يكره للرجل أن يهَبَ لبعض ولده دون بعضٍ جُلَّ ماله، ويختلف في هبة الرجل الأقلَّ من ماله لبعض ولده دون بعض، فقيل: إنَّه جائز لا بأس به، وهو قوله في هذه الرواية] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "أسنى المطالب" (2/ 483، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(يُكره) للوالد وإن عَلَا (أن يهب لأحد ولديه أكثر) من الآخر (ولو ذكرًا)] اهـ.
وإنَّما حمل جمهور الفقهاء نهي الشارع عن المفاضلة على الكراهة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا النعمان رضي الله عنهما بإشهاد غيره عليها، ولا يُباح الإشهاد إلَّا على أمرٍ جائز، فلو كانت الهبة حينئذٍ محرَّمةً أو باطلةً لما أمره بذلك، وأما امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشهادة إنما هي على وجه التنزه لترك بشيرٍ رضي الله عنه الأفضلَ.
قال الإمام ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 154، ط. مطبعة السنة المحمدية): [وربَّما استدل على ذلك بالرواية التي قيل فيها: «أَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي» فإنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح إشهاد الغير إلا على أمرٍ جائز، ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشهادة على وجه التنزه] اهـ.
وقال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (5/ 2009، ط. دار الفكر): [«فَأَشهِد عَلَى هَذَا غَيرِي»، ولو كان حرامًا وباطلًا لما قال هذا] اهـ.
وأمَّا ما جاء في رواية الإمام البخاري من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «لَا أَشهَدُ عَلَى جَورٍ»، فقد وجَّهَه الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (11/ 67، ط. دار إحياء التراث العربي) بقوله مُعَقِّبًا: [فليس فيه أنَّه حرام؛ لأنَّ الجور هو المَيل عن الاستواء والاعتدال، وكلُّ ما خرج عن الاعتدال فهو جَور، سواءٌ كان حرامًا أو مكروهًا] اهـ.
بينما ذهب الحنابلة إلى أن التسوية بين الأولاد في الهبة واجبةٌ، وأنَّ المفاضلة بينهم فيها محرَّمةٌ.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في" المغني" (6/ 51): [يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العَطِيَّة وإذا لم يختص أحدُهم بمعنًى يبيح التفضيل، فإن خصَّ بعضهم بعطيَّتِه أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إمَّا رد ما فضل به البعض، وإمَّا إتمام نصيب الآخر] اهـ.
واستدلَّ الحنابلة على وجوب التسوية بين الأولاد في العطيَّة بحديث النعمان بن بشير المتقدم، حيث سمَّاه النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم جورًا وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، كما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلَّم بردِّه، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فكان محرَّمًا لإفضائه إلى محرَّم.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في" المغني" (6/ 52) مُعقِّبًا على حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: [وهو دليلٌ على التحريم؛ لأنَّه سمَّاه جورًا، وأمر بردِّه، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأنَّ تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمَّتِها أو خالتها] اهـ.
أمَّا عن كيفية التسوية بين الذكور والإناث في الهبة عند تساويهم في الحاجة أو عدمها: فقد ذهب الإمام أبو يوسف من الحنفية، والمالكية، والشافعية في الأصح إلى أنَّ ذلك يكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى، فتُعطَى الأنثى مثل ما يُعطَى الذَّكَر.
قال الإمام علاء الدين الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (6/ 127): [(وأمَّا) كيفية العدل بينهم، فقد قال أبو يوسف: العدل في ذلك أن يُسوِّي بينهم في العَطِيَّة، ولا يُفضِّل الذكر على الأنثى] اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الإشراف" (2/ 676، ط. دار ابن حزم): [يستحبُّ لمن أراد أن يهَبَ أولادَه التسويةُ بين الذكور والإناث] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (5/ 379، ط. المكتب الإسلامي): [في كيفية العدل بين الأولاد في الهبة وجهان: أصحهما: أن يُسوِّي بين الذكر والأنثى] اهـ.
وذلك لما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَوُّوا بَينَ أَولَادِكُم فِي العَطِيَّةِ، فَلَو كُنتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلتُ النِّسَاءَ» أخرجه الإمامان: الطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتسوية بين الأولاد من غير تفريقٍ بين الذكر والأنثى، بل بيَّن أنّه لو كان مفضِّلًا أحدًا لفضَّل النساء، فدلَّ ذلك على أنَّ العدل المطلوب إنما يتحقَّق بالتسوية المطلقة بينهم، دون اعتبارٍ لاختلاف الذكورة والأنوثة.
بينما ذهب الإمام محمد من الحنفية والشافعية في وجه والحنابلة إلى أنَّ ذلك إنما يكون بإعطائهم بقدر قسمة الميراث، فيأخذ الذكر من الأولاد مثل حظِّ الأنثيين؛ اقتداءً بقسمة الله تعالى، وقياسًا لحال الحياة على حال الموت.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (6/ 127) في سياق حديثه عن كيفية العدل بين الأولاد في العطية: [وقال محمد: العدل بينهم أن يعطيهم على سبيل الترتيب في المواريث، للذكر مثل حظ الأنثيين] اهـ.
وقال الإمام الجويني الشافعي في "نهاية المطلب" (8/ 441، ط. دار المنهاج): [وإذا استحسنَّا التسوية فيهم، فقد ذكر شيخي وجهين في الابن والبنت: أحدهما: أنَّا نرعى في الاستحباب التسوية بينهما. والثاني: أنَّا نجعل النِّحلة على نسبة الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (6/ 53) في سياق بيانه كيفية التسوية بين الأولاد في الهبة: [التسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وبهذا قال عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن] اهـ.
الحاصل ممَّا سبق: أنَّ الفقهاء متفقون على أنَّ محلَّ الأمر بالتسوية بين الأولاد في الهبة، والنهي عن المفاضلة بينهم إنَّما هو عند الاستواء في الحاجة بينهم أو عدمها، أمَّا إذا وُجد معنًى معتبرٌ في بعضهم يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، فإنَّه يخرج عن محلِّ الأمر بالتسوية والنهي عن المفاضلة، وكذلك يخرج عن ذلك حرمانُ بعض الأولاد من الهبة حال الحياة لمعنىً معتبرٍ شرعًا، كالسَّرَف، أو العقوق، أو الفسق، أو إتلاف المال، أو نحو ذلك.
كما اتفقوا على أنَّ التسوية بين الأولاد في الهبة -إذا لم يكن هناك معنًى معتبرٌ يقتضي التفضيل- مطلوبةٌ شرعًا؛ لما في التسوية من جمع القلوب، وحفظ المودَّة، ودرء ما قد تُفضي إليه المفاضلة من عداوةٍ وبغضاء وقطيعةِ رحم، غير أنَّهم اختلفوا في درجة ذلك: هل الأمر للوجوب أو للندب، وهل النهي للتحريم أو للكراهة.
وعلى ذلك، فلا ينبغي للواهب أن يُقدِم على ما يكون سببًا في تفريق أولاده وإيغار صدورهم، بل يعدل بينهم؛ ليكونوا له في البرِّ سواء، والخلاف وإن كان قائمًا بين الفقهاء في حكم هذه التسوية بين الإيجاب والندب، فإنَّ الخروج منه مستحبٌّ.
قال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 136، ط. دار الكتب العلمية): [الخروج من الخلاف مستحب] اهـ.
وأمَّا كيفيةُ العدل بين الأولاد: فالذي نختاره أنَّه يكون بإعطاء كلِّ واحدٍ منهم مثلَ ما أُعطي الآخر، من غير فرقٍ بين الذكر والأنثى، فتُعطى الأنثى مثلَ ما يُعطى الذكر؛ وذلك لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتسوية بين الأولاد في العطية من غير تفريقٍ بين الذكر والأنثى، بل بيَّن أنَّه لو كان مفضِّلًا أحدًا لفضَّل النساء، فدلَّ ذلك على أنَّ العدل المطلوب إنما يتحقَّق بالتسوية المطلقة بينهم، كما أنَّ التسوية بين الذكور والإناث على هذا النحو أبلغُ في رفع أسباب التباغض والتقاطع، وأدعى إلى جمع القلوب واستدامة المودَّة بين الأولاد.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فيجوز شرعًا للمرأة المذكورة أن تهب جزءًا من مالها في حياتها لأولادها، والأصل أن تسوي بينهم في الهبة إذا كانوا في الحاجة أو عدمها سواء، وتتحقق هذه التسوية بأن تهب الذكر كالأنثى كما هو قول جمهور الفقهاء، أو تهب الذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قول جماعة من الفقهاء، وبأيٍّ من الرأيين عملَت فلا إثم عليها ولا حرج.
فإن كان هناك معنًى معتبرٌ في بعض أولادها يقتضي التفضيل، كالاشتغال بالعلم، أو الحاجة، أو المرض، أو كثرة العيال، أو المكافأة على البر، أو نحو ذلك، فإن التفضيل جائز حينئذٍ من غير إثم عليها في ذلك ولا حرج.
والله سبحانه وتعالى أعلم.