الرد على من يزعم أن والدي النبي الكريمين ماتا على الجاهلية

  • المفتى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
  • تاريخ الصدور: 23 فبراير 2021
  • رقم الفتوى: 5863

السؤال

كيف نرد على من يزعم أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماتا على الجاهلية؟

ما عليه جماهير الأمة وعلماؤها اتفاقًا أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنان ناجيان، بل هما خلاصة أهل الإيمان.

المحتويات

بيان الواجب اعتقاده في أصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم

للشريعة مزيد اعتناء بالإشادة باصطفاء أصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخيريتهم، وأهليتهم لحمل النور النبوي، بأدلة متواترةٍ يُعلَم منها أن الحق الذي يجب اعتقادُه ولا يجوز غيرُه، وعليه جماهير الأمة خلافًا لمن زلَّ: أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنان ناجيان، بل هما خلاصة أهل الإيمان؛ لأنهما لنور النبوة مستودَعان، وقد اختارهما الله لأبوة سيد الأكوان.

فهما من الساجدين الذين قال الله في حقهم: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219].

بيان الرد علِى من يزعم أن والدي النبي الكريمين ماتا على الجاهلية

قال الإمام الماوردي في "أعلام النبوة" (ص: 201، ط. دار الهلال): [قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: أي: تقلبك من أصلاب طاهرة مِن أبٍ بعدَ أبٍ، إلى أن جعلتُك نبيًّا، وقد كان نورُ النبوة في آبائه ظاهرًا] اهـ.

وهما مِن المصطفَيْنَ الأخيار، الذين افتخَرَ بالانتساب إليهم المختار، صلى الله عليه وآله وسلم:

فأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»، ورواه الخطيبُ في "الموضح"، والدِّمياطيُّ في "معجمه" فقال: «وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».

وأخرج ابن سعد في "طبقاته" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خَيْرُ الْعَرَبِ مُضَرُ، وَخَيْرُ مُضَرَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، وَخَيْرُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بَنُو هَاشِمٍ، وَخَيْرُ بَنِي هَاشِمٍ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللهِ مَا افْتَرَقَ فِرْقَتَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ آدَمَ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا».

وأخرج الحاكم في "المعرفة" -وعنه البيهقي في "الدلائل"- والسِّلَفيُّ في "الطيوريات" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطب رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ، وَمَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إِلَّا جَعَلَنِي اللهُ فِي الْخَيْرِ مِنْهُمَا، حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي وَأُمِّي، فَأَنَا خَيْرُكُمْ نَسَبًا وَخَيْرُكُمْ أَبًا»، وجزم به الحاكم في "المعرفة" واحتج به.

وروى أبو زرعة الدمشقي، عن عمرو بن قيس السَّكُوني -تابعي جليل؛ أدرك سبعين صحابيًّا- أنه بلغه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اخْتَارَ اللهُ مِنَ النَّاسِ الْعَرَبَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ كِنَانَةَ، وَاخْتَارَ مِنَ كِنَانَةَ النَّضْرَ، وَاخْتَارَ مِنَ النَّضْرِ عَبْدَ مَنَافٍ، وَاخْتَارَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هَاشِمًا، وَاخْتَارَ مِنْ هَاشِمٍ عَبْدَ المُطَّلِبِ، وَاخْتَارَ مِنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَبْدَ اللهِ، وَاخْتَارَ مِنْ عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدًا». وذكره الواقدي في "فتوح الشام" من قول خالد بن الوليد رضي الله عنه.

وأخرج البزار في "مسنده"، وابنُ شاذان -كما في "ذخائر العقبى" للمحب الطبري- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل ناس من قريش على صفيةَ بنتِ عبد المطلب رضي الله عنها، فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت صفيةُ رضي الله عنها: مِنّا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: تنبت النخلة -أو الشجرة- في الأرض الكِبَا، فقالت: وما الكِبَا؟ قالوا: الأرض التي ليست بطيبة، فذكرَتْ ذلك صفيةُ رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فغضب وقال: «يَا بِلالُ! هَجِّرْ بِالصَّلاةِ»، فهجَّر، فقام صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فنادى بصوت فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أَنَا؟» قالوا: أنتَ رسولُ اللهِ، قال: «انْسُبُونِي»، قالوا: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلب، قال: «أَجَلْ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَا رَسُولُ اللهِ، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَبْتَذِلُونَ أَصْلِي! فَوَاللهِ إِنِّي لَأَفْضَلُهُمْ أَصْلًا، وَخَيْرُهُمْ مَوْضِعًا»، فلما سمعت الأنصارُ بذلك قالت: قوموا فخذوا السلاح؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أُغضِبَ، فأخذوا السلاح ثم أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلمنه لا يُرَى منهم إلا الحَدَقُ، حتى أحاطوا بالناس، فجعلوهم في مثل الحَرّة، حتى تضايقت بهم أبوابُ المسجد والسكك، ثم قاموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله! لا تأمرُنا بأحدٍ إلّا أبَرْنا عترته، فلما رأى النفرُ من قريش ذلك قاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعتذروا وتنصلوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ دِثَارٌ، وَالأَنْصَارُ شِعَارٌ» فأثنى عليهم وقال خيرًا. وقد استشهد بهذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كالسخاوي في "ارتقاء الغرف"، والسيوطي في "مسالك الحنفا".

وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال: "بلغ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ قومًا نالوا منه؛ فقالوا: إنما مثلُ محمد كمثل نخلة نبتت في كُنَاس! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلًا، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا»، ثم قال: «أَنَا خَيْرُكُمْ قَبِيلًا وَخَيْرُكُمْ بَيْتًا». ورواه الإمام أحمد وغيره عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث.

وأخرج ابن أبي عاصم في "السنة" والطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "الدلائل" عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام: قَلَّبْتُ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، فَلَمْ أَجِدْ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "أماليه": [لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن، ومن المعلوم أنّ الخيريةَ والاصطفاءَ والاختيارَ من الله والأفضليةَ عنده: لا تكون مع الشرك] اهـ من "مسالك الحنفا" للسيوطي -في "الحاوي للفتاوي" (2/ 256، ط. دار الفكر)-.

قال شيخ الإسلام البيجوري (ت1276هـ) في "تحفة المريد" (ص: 68، ط. دار السلام): [جميع آبائه وأمهاته صلى الله عليه وآله وسلم ناجون، ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر ولا رجس ولا عيب ولا شيء مما كان عليه الجاهلية؛ بأدلة نقلية؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَمْ أَزَلْ أَنْتَقِلُ مِن الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَاتِ إِلَى الْأَرْحَامِ الزَّاكِيَاتِ»، وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر] اهـ.

فآباؤه وأمهاته صلى الله عليه وآله وسلم موصوفون بالسجود والاصطفاء والخيرية، وأحد هذه الأوصاف كافٍ في الدلالة على الإيمان ونفي خلافه، فكيف باجتماعها! وقد سلَّم الله على المصطفَيْنَ فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59].

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن الافتخار بالآباء غير المؤمنين؛ فقال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ -أي: تكبُّرَها وتجبُّرَها- وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وافتخاره صلى الله عليه وآله وسلم بشرف أصوله، وخيرية آبائه، يستلزم إيمانهم؛ إذ حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم أن يفتخر بما نهى عنه.

قال الإمام ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى": [إن العارف المحقق سيدي محيي الدين بن العربي (ت632هـ) قال: إن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِن المصطَفَيْنَ الأخيار، ومن الأكابر الأبرار، وسندُه: ما ذكره مسلمٌ مِن حديث الاصطفاء، وما ذكره البخاري مِن حديث كونه صلى الله عليه وآله وسلم مبعوثًا في خير القرون، والأحاديث الواردة في الاصطفاء والخيرية؛ فإنهما يستلزمان الإسلام، بل يدلان على عدم صدور الذنب] اهـ نقلًا عن العلامة البرزنجي في كتاب "سداد الدين" (ص: 92، ط. دار الكتب العلمية).

وسئل القاضي أبو بكر بن العربي (ت543هـ) عن رجل قال: إن أبا النبي في النار! فأجاب: بأنّ مَن قال ذلك فهو ملعون؛ لقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يُؤذُونَ اللهَ ورَسُولَه لَعَنَهم اللهُ في الدنيا والآَخِرةِ وأَعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]، قال: [ولا أذًى أعظم من أن يقال عن أبيه صلى الله عليه وآله وسلم إنه في النار] اهـ من "مسالك الحنفا" في "الحاوي للفتاوي" (2/ 279).

وقال الإمام الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي (ت842هـ):

تنقَّل أحمـدٌ نورًا عظيمًـــا ... تلألأ في جبـاه الساجدينا

تقلَّب فيهـمُ قرنًـــا فقرنًـــا ... إلى أن جاء خيرَ المرسلينا

وسُئِل شيخُ الإسلام قاضي قضاة الديار المصرية شيخُ الشافعية شرفُ الدين يحيى بنُ محمد المناوي (ت871هـ) عن والد النبي صلى الله عليه وسلم: هل هو في النار؟ فزأر في السائل زأرةً شديدة، فقال له السائل: هل ثبت إسلامه؟ فقال: [إنه مات في الفترة؛ ولا تعذيب قبل البعثة] اهـ، نقله عنه الإمام السيوطي في "مسالك الحنفا" ضمن "الحاوي للفتاوي" (2/ 245).

وقال الإمام القسطلاني الشافعي (ت923هـ) في "المواهب اللدنية" (1/ 111، ط. المكتبة التوفيقية): [والحذرَ الحذرَ مِن ذكرهما بما فيه نقصٌ، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن العرف جارٍ بأنه إذا ذُكِرَ أبو الشخص بما يُنقِصُه، أو وُصِفَ بوصفٍ به وذلك الوصفُ فيه نقصٌ: تأذَّى ولدُه بذكر ذلك له عند المخاطبة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» رواه الطبراني في "الصغير"، ولا ريب أن أذاه صلى الله عليه وآله وسلم كفرٌ] اهـ.

وقال إمام الشافعية في زمنه العلامةُ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ (ت973هـ) في "الفتاوى": [إياك أن يسبق لسانُك إلى غير ما قلنا -يعني: من النجاة- فتكون ممن آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتستحق اللعنة بنص القرآن؛ كما قدّمنا عن ابن العربي، وإذا كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمّا شكا إليه عكرمةُ بن أبي جهل رضي الله عنه قولَ الناس "هذا ابنُ أبي جهل": «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ»، هذا مع كونه أبا جهل، فما ظنك بمن يتكلم في آبائه صلى الله عليه وآله وسلم بما يحطهم عن غاية الشرف والرفعة! نعوذ بالله من ذلك، ونسأله السلامة عن الخوض في مثل هذه المهالك] اهـ نقلًا عن "سداد الدين" (ص: 87) للبرزنجي.

وصَدَرَت بذلك فتوى مفتي الديار المصرية العلامة محمد بخيت المطيعي (ت1354هـ)، والتي قال فيها ردًّا على مَن زَعَم أن أبَوَي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لَيْسَا مؤمنَيْنِ: [قد أخطأ خَطَأً بَيِّنًا؛ يَأثَمُ ويَدخُلُ به فِيمَن آذى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.

وصنف العلماء عبر القرون في بيان ذلك عشراتِ المصنفاتِ، حتى صنف الإمام الحافظ السيوطي وحدَه رضي الله عنه في ذلك ستَّ رسائل؛ هي:

1. "مسالك الحنفا في والدي المصطفى".

2. "الدرج المنيفة في الآباء الشريفة".

3. "المقامة السندسية في النسبة المصطفوية".

4. "التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة".

5. "نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين".

6. "السبل الجلية في الآباء العلية".

وصنف كبار علماء الأمة ومفتوها من مختلف المذاهب المتبوعة في نصرة ذلك وتحقيقه:

فصنف شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ابنُ كمال باشا الحنفي (ت940هـ) في نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحريم اعتقاد خلاف ذلك، وصنف شيخُ الحنفية في دمشق ابنُ طولون الدمشقي (ت953هـ) "مناهج السُّنّة في كون أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة"؛ كما في كتابه "الفُلْك المشحون" (ص: 46، ط. القدسي)، وصنف مفتي الحرم عبدُ القادر الطبري الحسيني الشافعي (ت1033هـ) في إيمان الوالدين الشريفين والرد على من ادَّعَى خلافه، وصنف مفتي الشافعية بالمدينة المنورة السيدُ البرزنجيُّ الحسيني "سَداد الدِّين وسِدَاد الدَّيْن، في إثبات النجاة والدرجات للوالدَيْن"، وصنف مفتي الحنفية بها العلامةُ محمد أمين بن عمر زاده البالي (ت1304هـ) "سبل السلام في حكم آباء سيد الأنام"، وصنف مفتي المالكية في الحجاز السيدُ محمد علي بن حسين المالكي (ت1368هـ) "سعادة الدارين بنجاة الوالدين"، وغيرهم كثير.

ومن لطيف الإشارات في هذا المقام: أن الله تعالى سمَّى أمَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأزل "آمنة"؛ لتكون في الدارين آمنةً، فكأنه قيل: ومَن يأمَنُ إن لم تأمَن الآمنة! وسمَّى أباه في الأزل "عبد الله": ليتحقق فيه وصفُ العبودية لله، فكأنه قيل: ومن العابدُ لمولاه، إن لم يَكُنْه "عبدُ الله"، أقربُ الساجدين سببًا ونسبًا بسيدنا رسول الله! صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الأب الماجد، والعبد الساجد «وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»، وهو العبد المصطفى ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾؛ فتطابق الاسم والمسمى، وتوافق المعنى والمبنى.

الخلاصة

عليه: فالحق الذي يجب اعتقادُه ولا يجوز غيرُه: أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنان، وهما خلاصة أهل الاصطفاء والإيمان؛ لأن الله اختارهما لنور النبوة؛ فهما خير مستقَرٍّ ومستودَعٍ.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة