حكم الزواج بالربيبة

  • المفتى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام
  • تاريخ الصدور: 28 مايو 2018
  • رقم الفتوى: 4346

السؤال

ما حكم الشرع في الزواج بالربيبة؟

يَحرُمُ على الرجل شرعًا أن يتزوج ببنت زوجته مِن غيره إذا كان قد دَخَل بأُمِّهَا؛ سواء كانت في حِجْره أم لا، فإن لم يكن قد دخل بأُمِّهَا فلا مانع شرعًا من زواجه بها إذا طلَّق أُمَّهَا أو ماتت عنه قبل دخوله بها.

المحتويات

تعريف الربيبة وحكمها الزواج بها

الربيبة: هي بنت زوجة الرجل وبنت ابنها وبنت بنتها من غيره وإن نزلن من نسبٍ أو رضاعٍ، وسميت بذلك لأنه يربيها في حجره غالبًا فهي مربوبته. وربيبة: فعيلة بمعنى مفعولة. (المغني لابن قدامة الحنبلي 7/ 111، ط. القاهرة).

وحرمة الزواج بالربيبة إذا حصل الدخول بأمها ثابتةٌ بالكتاب والسنة والإجماع:

۞ فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23].

۞ ومن السنة: ما رواه البخاري -واللفظ له- ومسلمٌ في "صحيحهما" عن أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها زَوْج النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: «وَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي الخَيْرِ أُخْتِي، فَقَالَ: «إِنَّ ذَلِكِ لَا يَحِلُّ لِي». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَوَاللهِ، إِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَقَالَ: «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَوَاللهِ، لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ. فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». فدلَّت الآيةُ على أَنَّ الربيبة لا تحل للرجل الذي دخل بأمها، وأَنَّ تحريم البنات منوطٌ بالدخول بالأمهات.

۞ وأجمع الفقهاء على حُرْمَة زواج الرجل بالربيبة إذا دَخَل بأمها: قال الإمام ابن عبد البر المالكي في "الاستذكار" (5/ 457، ط. دار الكتب العلمية، بيروت): [أجمعت الأُمةُ أَنَّ الرجل إذا تَزوَّج امرأةً ولها ابنةٌ؛ أنه لا تحل له الابنةُ بعد موت الأم أو فراقها إن كان دخل بها] اهـ.

مفهوم قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾

۞ ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا فرق في ذلك بين ما إذا كانت الربيبة في حجر زوج الأم وتحت كنفه ورعايته أو لا؛ فوصفها بأنها في الحِجْر -في الآية والحديث السابق ذكرهما- ليس للتقييد والشرط، بل تأكيدٌ للوصف خارجٌ مخرج العادة والغالب في أحوال الناس؛ لأنها غالبًا تَتربَّى في حِجْره كابنه وابنته، فلهذا تَحْرُم عليه كما تَحْرُم عليه ابنته، كما أن البنت لا تسكُنُ إلا أن تكون مع أمها، وهذا هو الأفضل لِحُسْنِ تربيتها والعناية بها وتهيئتها لتكون فيما بعدُ زوجةً صالحةً عارفةً بشؤون بيتها وزوجها وولدها؛ يقول الإمام النووي في "شرح مسلم" (10/ 25، ط. دار إحياء التراث العربي): [(لو لم تكن ربيبتي في حجري)؛ معناه أنَّها حرامٌ عليَّ بسببين: كونها ربيبةً، وكونها بنتَ أخي؛ فلو فُقِد أحد السَّبَبين حَرُمَتْ بالآخر.. وأمَّا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي»؛ فمذهب العلماء كافةً -سوى داود الظاهري (ت270هـ)- أنَّها حرامٌ سواء كانت في حِجْرِهِ أم لا؛ قالوا: والتقييد إذا خَرَج على سببٍ لكونه الغالبَ لم يكن له مفهومٌ يُعمَل به، فلا يُقْصَر الحكمُ عليه، ونظيرُهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، ومعلومٌ أنَّه يَحْرُم قتلهم بغير ذلك أيضًا، لكن خَرَج التقييدُ بالإملاق لأنَّه الغالبُ، ونَظائره في القرآن كثيرةٌ] اهـ.

وقال العلامة السرخسي الحنفي في "المبسوط" (4/ 200، ط. دار المعرفة): [واختلفت الصحابة رضي الله عنهم: أن الحِجْرَ؛ هل ينتصب شرطًا لهذه الحرمة، أو لا؟ فكان عليٌّ رضي الله عنه يقول: الحجر شرطٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، ولِمَا روي: أَنَّهُ عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا كَانَتْ تَحِلُّ لِي؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ». فأما عمرُ وابن مسعودٍ رضي الله عنهما كانا يقولان: الحجر ليس بشرطٍ. وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله تعالى؛ للحديث الذي رويناه، وتفسير الحجر وهو أن البنت إذا زُفَّتْ مع الأم إلى بيت زوج الأم فهذه كانت في حجره، وإذا كانت مع أبيها لم تكن في حجر زوج الأم، وإنما ذكر الحجر في الآية على وجه العادة؛ فإن بنت المرأة تكون في حجر زوج أمها لا على وجه الشرط؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] مذكورٌ على وجه العادة لا على وجه الشرط] اهـ.

وقال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في "أحكام القرآن" (1/ 486، ط. دار الكتب العلمية): [قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] تأكيدٌ للوصف، وليس بِشَرْطٍ في الحُكم] اهـ.

وقال الإمام الماوردي الشافعي في "الحاوي الكبير" (9/ 209، ط. دار الكتب العلمية): [وليس ذِكرُ الحِجِر في الربائب شرطًا، وإنما ذُكِرَ لأنه الأغلبُ في أحوال الربائب؛ أنهن في حجر أزواج الأمهات، فصار ذِكرِهُ تغليبًا للصفة لا شرطًا في الحكم؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]، والصائم لا يجوز له وطء زوجته وإن كانت في غير مسجد، وإنما ذكر المسجد على طريق الأغلب من أحواله] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (7/ 111، ط. مكتبة القاهرة): [وأما الآية -يعني قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾- فلم تخرج مخرج الشرط، وإنما وَصَفَهَا بذلك تعريفًا لها بغالِبِ حالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسكُ بمفهومه] اهـ.

هل الدخول بالأم شرط لتحريم الربيبة؟

۞ المراد بالدخول بالأم في قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، هو الدخولُ الحقيقي بحصول المعاشرة بين الزوجين على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ قال العلامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 30، ط. دار الفكر): [(قوله: بنت زوجته الموطوءة).. احترز بالموطوءة عن غيرها؛ فلا تحرم بنتها بمجرد العقد، وفي ح عن "الهندية": أن الخلوة بالزوجة لا تقوم مقام الوطء في تحريم بنتها] اهـ.

وقال الشيخ البجيرمي الشافعي في "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" (3/ 421-422، ط. دار الفكر، بتصرف): [(وتحرم الربيبةُ إذا دخل بالأم) أي بوطءٍ ولو في الدبر، ومِثلُهُ استدخالُ مَنِيِّ الزوج ولو في الدبر أيضًا. والمراد الماء المحترم حال الإنزال؛ بأن لا يخرج منه على وجه الزنا، لا حالة الإدخال] اهـ.

وقال الإمام البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 71، ط. دار الكتب العلمية): [لا يُحرِّم الربيبةَ إلا الوطءُ؛ دون العقد والخلوة والمباشرة دون الفرج] اهـ.

وذهب المالكية إلى أن المراد بالدخول مطلق التلذذ ولو بغير جماع؛ قال الشيخ الدردير المالكي في "الشرح الصغير بحاشية الدسوقي" (2/ 404، ط. دار المعارف): [لا يـُحَرِّمُ البناتِ إلا الدخولُ بالأمهات؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ المراد: بنت الزوجة ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ والمراد بالدخول: مطلق التلذذ ولو بغير جماع] اهـ.

موقف القانون في هذه المسألة

حيث لم ينصَّ القانونُ المصريُّ في هذه المسألة على اختيارٍ فقهيٍّ معيَّن؛ فإن العمل فيها يكون بأرجح الأقوال من مذهب السادة الحنفية؛ وهو: أن الدخول بالأم يحرم البنت؛ سواء كانت في حجر الزوج أو لم تكن، وأن المراد بالدخول هنا هو الدخول الحقيقي بحصول الوطء؛ وذلك طبقًا للمادة الثالثة من مواد الإصدار للقانون رقم 1 لسنة 2000م، ونَصُّها: [تصدر الأحكام طبقًا لقوانين الأحوال الشخصية والوقف المعمول بها، ويعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة] اهـ.

أمَّا إذا لم يَدْخُل الزوج بالأم ثم طلَّقها أو ماتت عنه فيجوز له أن يتَزوَّج ببنتها مِن غيره؛ سواء كانت في حِجْره أم لا؛ وذلك بالإجماع؛ قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (7/ 112): [قال ابن المنذر: أجمع عوَامُّ علماء الأمصار على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طَلَّقها أو ماتت قبل الدخول بها؛ جاز له أن يتزوج ابنتها. كذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومن تبعهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهذا نصٌّ لا يُترَك لقياسٍ ضعيفٍ، وحديث عبد الله بن عمرو وقد ذكرناه، ولأنها فُرقةٌ قبل الدخول فلم تحرم الربيبة] اهـ.

الخلاصة

بناءً على ما سبق: فيَحرُمُ على الرجل شرعًا أن يتزوج ببنت زوجته مِن غيره إذا كان قد دَخَل بأُمِّهَا؛ سواء كانت في حِجْره أم لا، فإن لم يكن قد دخل بأُمِّهَا فلا مانع شرعًا من زواجه بها إذا طلَّق أُمَّهَا أو ماتت عنه قبل دخوله بها.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتاوى ذات صلة